أقلام حرةمقالاتمقالات مختارة

من ذا أصابك يا بغداد بالعين؟! د. جاسم العبودي

د. جاسم العبودي

رباه! لماذا أصبح قدر بغداد إذا غادرتها نكبة، حلتها فتنة؟!. لا تتعجل عزيزي القارئ فتتهمنني بالتشاؤم. لقد عدَّ الأندلسيون طليطلة قاعدة عظيمة لموسطة الأندلس وخط دفاعي عن جنوبها، لذا كان لاستردادها من قبل الأسبان عام 478|1085، ألم عميق في ذاكرة أبنائها، حيث اعتبروه إنذاراً لسقوط البقية، وبهذا قال شاعرهم:

          يا أهل أندلس حُثّوا مَطِيَّكمُ                  فما المُقامُ  بها  إلا  منَ  الغلطِ

          الثوبُ يُنسلُ من أطرافه وأرى              ثوبَ الجزيرةِ منسولا من الوسط

          ونحنُ بينَ عَدُوٍّ لا يفارقنا                     كيفَ الحياة مع الحيّاتِ في سفط (1)

    ومنذ ذلك الحين وألسنة العرب وأقلامهم تلهج بالضياع بدلا من الوحدة، والتصفيقِ لأشباه الشياطين؛ والشعب على أيديهم يعرى ويجوع، بدلا من زرع الانتفاضة والعصيان، والتنبؤ بالمصير المشؤوم المحبط للآمال مكان بثّ العزيمة فينا، حتى كأنه فرمان أبدي عاهدوا التأريخ على دفعه له أينما كانوا. لنسمع من أستراليا يحيى السماوي:

     “آه .. كم أندلس أخرى ستضيع، وكم سفينة حلم ستضل الطريق إلى سواحل اليقظة، إن لم يعقد الرأس الألفة مع السواعد. لا تحتاج القدس إلى عشرات الفيالق، بقدر ما تحتاج إلى صلاح دين أيوبي واحد. هذا ما قالته قرطبة وهي ترثي فردوسها الأندلسي، نادبة صقر قريش”(2)

    مرة سمعت من إذاعة لندن الشاعر المصري فاروق شوشة يتغنى بصوته الرخيم بجزء من “مرثية جديدة إلى قرطبة”، من ديوان (فاكهة الماضي) للعلاق تتدافع فيها صور حاضر بغداد التي تقبع في ذهن الشاعر، وليس ماضي قرطبة:

    نهضت غيمةٌ | غادرت خيمةَ النوم| حشد من الأنبياء| يتوجهون في طلل| ويغطون بالدمع مئذنة شاطبة|” ورأيت بلادا تجاهد ألا تضيع| شممت أريج منائرها المـتربة| وتملكني هاجس| تلك بيروت أم قرطبة”.

    هذا ما كان من مصير قرطبة بالأمس.. وصدِّقني أنَّ مَن له ضمير حيّ لا يسمح له فيـتـجرأ ليلوح أن بغداد ينتظرها نفس المصير، ما دام في حضنها دجلة. نعلم أن الصراصير قد جرثمت بنادر قمحنا، واجتاحت الجرذان رياض حريتنا، لكن سنغني لها حتى آخر نجمة في السماء. ولكن ربما تسافر معك الطِّيرة في مركب واحد فَتُعدى،كما حدث لشاعرنا  صاحب الصوت السمفوني صلاح نيازي؛ وهو ـ من بين آلاف الموريسكيين الجدد ـ يحمل أعصاب وجراح وطنه بكبرياء أكبر من شبه جزيرة العرب، إلى عاصمة قرارات الحصار ؛ لندن، حين يقول:

“تطيرتُ حقا وملأتْ قلبي الهواجس

كأن العراق انتقل فجأة إلى مكان مجهول

أو ابتلعه بحر،  ورحل” (3)

    ما جرى بين الأمين والمأمون كان بعضا من نقم فتنة السلطة. ترى.. ماذا جنت منها بغداد؟. لقد هبت عليها سموم عاصفة الصحراء ـ والتأريخ يعيد نفسه ـ فقتل وشُرِّدَ أهلها، واغتصبت الربيعَ من قصورها، وحلَّ الخراب فيها، وطُمِست طرقُها، وهُجِرَت مساجدُها. فأثارت قرائح أبنائها كعبد الملك الورَّاق رافضا أن تعيش في العتمة قائلا:

          مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعينِ          ألم  تكوني زمانا قرَّة العَينِ

          ألمَْ يكنْ فيك قومٌ كان مسكَنُهُم       وكانَ قربُهُمُ زيناً منَ الزَّيْنِ

          صاحَ الغرابُ بِهِمْ بالبينِ فافترقوا      ماذا لقِيتِ بهمْ من لوعة البين

   وتبارى الشعراء على خطب ودها، عندما كانت تضمهم كالطفل إلى صدرها،كعمارة بن عقيل:

          أعاينتَ في طُولٍ منَ الأرضِ والعَرضِ          كبغدادَ  داراً  إنّها جَنَّةُ  الأرضِ

          صفا العيشُ في بغدادَ واخضَرَّ عُودُهُ           وعيشُ سِواها غيرُ صافٍ ولا غض

  وهذا ابن أبي الزوائد؛ أحد شعراء المدينة المنورة، كان قد زار بغداد زمن المهدي، فقرصته براغيث من حظيرة الكلاب المستوردة، فاستل خنجره على بلدة دوخت معجم البلدان :

          فَنَحُكُّ  الجلودَ طوراً فَتَدْمَى                    ونَحُكُّ  الصـدورَ والأفْخَاذا

          فسقى اللهُ طَيْـبَةَ الوَبْلَ سَحًّا                  وسَقَى الكرْخَ والصَّراةَ الرَّذاذَا

     آه!، لقد استنفرتم كل بُعرانكم.. وتنافختم شرفا.. ونسيتم أو تناسيتم قوله تعالى: “فأرْسَلنا عليهِم الطُّوَفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكبَروا وكانوا قوماً مجرمينَ”؟.

     يا قمر الزمان ..لم أضع رأسي في حضن كرخك الحنون، من زمان!. فكيف؟ .. وقد درسونا ألا نكون رجالا.

       “يا تلاميذ غزة|علمونا| بعض ما عندكم| فنحن نسينا|علمونا| بأن نكون رجالا| فلدينا الرجال|صاروا عجينا” (4).

     ولك في القدس أختك عبرة، وقد “مر المسيح [فيها] عابرا | بغصن زيتون ووجه شاحب منحوت | من حجر الياقوت”. أيضيركما الحصار والأسر ؟!، البركة في فك المقاطعة ورفع الحصار عن أشباه “الخول” في تل أبيب!! 

      “لن يبقى عربي واحد إن بقيت حالتنا هذي الحالة|بين حكومات الكسبة |القدس عروس عروبتكم| فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها| ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب| لصرخات بكارتها| أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة؟ | إن حظيرة خنـزير أطهر من أطهركم” (5).

   “يا سيدة النساء .. فلا تظني: عندما أغني.. بأني فرحان.. فأنني أموت كالعصفور.. إن لم أغن لك، يا سيدة النساء”. وإن عاد كلامنا تعبث به الخادمات في غسل الصحون، وقول الحق من الجوع انتحر، تبقين يا بغداد صامدة تقضّينُ مضاجع مغتصبي شمسك؛ من أحفاد الشيطان وسَفَّاحِي العصر:

          كالشمسِ في كَبِدِ  السماءِ  محلُّها              وشعاعُها في سائـرِ الآفـاقِ

      آ ه.. ألـم تكن قُـبَّة مُلْكٍ كأنّ النجومَ تُصغي إليها بأسرها؟!. واليوم كل شيء عندنا مستعار حتى وجوهنا.

    ألم يكن بالأمس فيها شيوخٌ ما نَـمَلُّ حديثَهُم، يَفِيدُونَنا من علمهم؟. لا يهم فقد تعودنا على سنين جفاف الإبداع.     

   فهل حقاً تناثرَ عِقْدُهم على أطباق حضارة التعب، عفوا، الغرب؟!. لا ضير أننا غرباء في داخل أو خارج أوطاننا.

    إنّ حبنا لك يا سيدتي، كمن لا يقدر أن يهرب من يوم القيامة. سنمتص لك من كل المنافي رحيق “الأمان”، ونعاهدك أن صغيراتنا سيوزعن “خبز العباس”، حتى لا يقتلوا فينا ابتسامة الوطن. ما لساعات حدائقك متوقفة، والعالم  الآخر سيغزو الكوكب الأحمر؟!. ما لمصابيح بيوتك عليلة؟!. حقا حرَّم الأذلاء ألا تزورك الكهرباء إلا ساعتين في اليوم؟، لا يهم، فوجهك القمري يكفي أبناءك ضياء. هيا رغم أنف كيد الشامتين بها، نردد فيها قول البهاء زهير :

          بلادٌ متى ما جِئتَهَا جئتَ جَنَّـةً                  لِعَينَيكَ منها كلَّ ما شئتَ رِضوانُ

   ولمّـا زوجنا  السيد فتيل النفط من الآنسة المصونة فتنة ابنة السلطة، دفعنا لهما مهراً غالياً، ليس لوليهما السلطان فحسب، وإنما لكلبه المسؤول عن أمن البلاد، فتخرّبت بيوتنا، وأصبحت في بيتك محدود الإقامة، رغم أنفك، وإن شئت فاشطب اسمك من سبورة العرب السوداء، لأن قانون سلاطيننا  “وصلة مطاط”، “يفرفش” فيها غلمان كافور. وهكذا تسودت وجوهنا؛ وهي طاحنة قد عفَّستها الغربة، وتبقين أنت سواء في الأمام أو في الخلف بين النجوم: 

“هكذا، من بلد إلى بلدٍ

أفـتِّـشُ بين النجوم عن بنات نعش

وأقول إذن من هنا العراق.

في البلد الغريب أسيرُ إلى الأمام ورأسي إلى الخلف

                 ما جدوى أن تسيرَ إلى الأمام ورأسك إلى الخلف” (6)

  يا سيدتي .. حين نخرجُ كل صباح، نخطُّ على حيطان المدارس المهدمة، وننـثر في مياه الفراتين نشيد السماوات:

               يا إبليس..”فاخْرُجْ  مِنْها  فَإنِّـكَ رَجيمٌ ، وإنَّ عليكَ اللَّعْنَةَ إلى يوم الدِّين”.

   أيها الناس هذا وذاك عدّوي وعدّوكم فلا يُـخْرِجَنَّـكم من الجنة فتشقوا. قولي لهم بكل كبرياء .. يا أحياء العالم:

     أنا بغداد أخت الشرفاء، فلا تشنقوا طيوري لـنـزقِ  الطغاة مرّاتٍ.. ومرّات، ومزقوا حصار الشياطين. 

   لا، ولن يفلحوا أن يقلعوا الثورة من أوراقك، لأني علقت لك حرزا أخضر من الجوادين، يحميك من العين.

   ولا تحزني.. فقلوب الأحرار معك، واسمعي ما قاله أحد ملوك الكلمة بعد اغتيال إحدى بناتك بلقيس (7):

” كنتُ أعرفُ أنها سوف تُقتَلْ ..

ففيها تَجَسَّدَتْ حضارةُ ما بينَ النهرينْ

ونحنُ متخلِّفونْ ..

هي مقامٌ بغداديٌّ رائعْ ..

ونحنُ لا نسمعْ ..

هي قصيدةٌ عـبَّاسيَّةْ ..

ونحنُ لا نقرأْ ..

هي فصلٌ من ملحمة جَلْجَامِشْ

ونحنُ أُمّيون …

كان حبُّها العراقيُّ

له طعمُ الورد .. وطعمُ الجَمر ..

وكانَ إذا فاضَ في موسم الربيعْ

كَسَرَ جميعَ السُّدُودْ ..

وكسرني عشرين ألفَ قطعَـهْ ..

أسستُ  معها في 5 آذار 1962

أوَّلَ مدرسةٍ للعشق في بغدادْ

وعندما سقطت بلقيس في 15/12/1981

استقال المعلمون والمعلماتْ

وهرب التلاميذْ

وتأجَّلَتْ دراسةُ الحبّ ..

إلى أجلٍ غيرِ مُسَمّى …

في الحفلات العامَّـهْ  ..

كانتْ تتحاشى أن تقفَ معي ..

أو تتصوَّرَ معي ..

أو تقولَ للناسِ : إنها زوجةُ الشاعرْ .

أنا الذي كنت أبحثُ عنها هنا .. وهناك ..

وأطلبُ من المصوِّرينَ أن يُصَوِّروني معها ..

حتى أدخلَ التاريخْ ..”

    “عندما كنت أشاهد فيلم تايتانيك كنت أرى فيه، من خلال دموعي، مشهد العراق في لجة الكارثة الهوجاء، لكن الفرق بين السفينـتين أن قبطان التايتانيك كان يتراكض كالمجنون لإنقاذها، بينما سفينـتنا المـثقوبة يزيدها القبطان وحاشيته غرقا” (8)

    لا تفكر بنخيل الوطن، فالجلاد ينتظرك حتى في برميل الزبالة، والأعراب يتفرجون كيف يموت مليون طفل أو أكثر؟!. وقاموسك هو الآخر أُصِيبَ بالجفافُ، فتسمِّي “القرصان قبطانا”؛ وهو الذي اغتصب شمس الوطن، وزرع قنابل النابلم في حقول حنطة حلبجة “حزِين الجبل يتنفس سموم العار”، وأشعل النيران في سنابل رزّ المِشْخَاب والشَّامِيَّة والعمارة.. وقطعَ  رأس كلِّ سنبلةٍ تتكلَّمُ مع سنبلةٍ أخرى في النجف وأربيل والموصل والبصرة والناصرية والثَّورَة والأهوار …

وأبحث في درج المكتب عن مكتوب ، فأعثر على قصاصة للشاعر علي السبتي (9):

” وبغداد كانت قمر

ألا فتى من مضر

يعيد لغبداد [كذا] وجه القمر!” (10)

    يا “رَيّال”! ما فتئ لبغداد وجه كالقمر، ولكنَّ العربَ اليومَ زجاجٌ فوقَ بعض يتكسَّر في شرم الشيخ أو تل أبيب أو على نهد صبية .

   أحلم بحبك يا أحلى من كل كلمات العرب والعجم، حتّى ولو لم يبقَ في ساحاتِك سوى الذبابِ والحُفَر، وأعمدة مكسورة وأرصفة مهجورة.. فإن طيرك ـ يا حبيبتي ـ يكبر كحقل أخضر، ونورك يسافر في كل البلدان.

   يا أبناء الله لا تكوني لبغداد بين محبِّ أو عدوِّ أو شامت أو متفرج أو متطير، فبغداد ـ رغم النـزيف ـ سيف الخليج، وكبرياء الجزيرة، وتفاعيل قصيدة بلاد العرب، وغيمة وردية لكل الشاربين.

          فعشْ واحداً أو صِلْ أخاك فإنهُ               مقارفُ ذنْبٍ مرَّةً ومُجانِبُهْ

   المشكلة عويصة يا ناس.. شعب ما برحت هيضة الخيبة السياسية تفارقه.. جاع منها بعد شبع، وعرى فيها بعد بذخ، وعطشَ، وكأن تركيا الضرّة العزيزة لم تمص حليب دجلة والفرات!، ولا إسرائيل تحرق مصاحفنا!، ولا “نتن ياهو” يصلب المسيح في بيت لحم!، ولا المسجد الأقصى يدنسه النازي شارون!، ولا “انتفاضة الأقصى”  تغتالها دبابات وصواريخ عشيق مونيكا ـ و”التـبابعة الجدد” يطالبون الأمم المتحدة “بتقصي الحقائق” فقط ـ ولكن بغداد أصبحت تؤرق ساسة حكومات رعاة البقر والأذلاء القراقوز!. أجل، ” ابقوا في برميلكم المملوء نملا.. وبعوضا.. وقِمامه”. يجي يوم يصعد الشط لبيوتكم، وَنِزِل طَولة حاج أحمد آغا، وحمادي العربنجي، والفَرّاش رَزُّوقِي، وسليمة الخَبّازة، وفتحية أم الباقلا، وأبو البايسكلات، “والنخلة والجيران” (11)، وعشتار وتموز ينشدون: قادمون إليكم قادمون .

    فمن بقي من هذا الشعب الرازح “تحت موسى الحلاق”؛ بعضه إما أن تغتاله أيدي القذارة، أو تحل عليه لعنة الحصار في داره، والبعض الآخر أمواتٌ في أكفان الحياة راضين أو مرغمين ما زالوا يصفقون لـهُبل أراح اللهُ العبادَ منه ومن أفعاله. ومن نفذ بجلده منه فنجاه الله من فرعون: إما أن يكدح ليلَ نهار، أو أن يتَّخذ الدموع خدينا على شواطئ النيل، أو يتزوج الرموز فيعيشا معا في قلعة حماد، أو يشَعْل الشموع في التايمز لتفجير لِيمُوسِين الحجَّاج في بغداد، أو يصاحب عمرو بن كلثوم في رحلة تصيد التفاخر في بلاد الشام، أو يلعن الحرب في الهايد بارك، أو يتضرع لحائط المبكى والحزن في السويد، أو “يسبّح” في مقهى أبي علي وهو يلعب “الطاولي” في أجوارد رود. وبين هذا وذاك نجد من سقطت عزيمته. يقول نجم والي (12):

      “وقد هجمت غواية القطار المتحرك على قبله” من دار غربته ألمانيا: “قبل سنوات عندما كنت في بلاد اسمها الجمهورية العراقية رافقت أحد الأصدقاء حتى محطة القطار”. ورحم الله السياب، حين يقول: “ناء  يذكر بالليالي المقمرات وبالنخيل|وأنا الغريب أظل اسمعه وأحلم بالرحيل|في ذلك السوق القديم” (13)

   وقوله: ” الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام| حتى الظلام ـ هناك أجمل، فهو يحتضن العراق”(14)

وفي جنوب إسبانيا؛ ومن مالقة بالذات سنة 1999 تستعيد سميرة المانع (15) تجوالها في الأندلس  في أقصوصتها  “الروح”؛ مستلهمة آفاقها من قصيدتي “أحزان في الأندلس” و”غرناطة” لنـزار قباني(16)، وقصيدة “مرثية جديدة” من ديوان (فاكهة الماضي) للشاعر العراقي علي جعفر العَّلاق، فتقول:

”     أعادته إلى سطوح مدنه العربية التي هاجر منها مرغما ليعيش في أوربا. إنها دمشق ببهائها، بل بغداد قبل الحروب والبغضاء”.

    وتغزو المأساة فؤاد الشاعر السعودي المعروف غازي القصيبي(17)، حين تسلَّمَ ديوانا صغيرا بعنوان (صمت الأكواخ) للشاعر العراقي عيسى حسن الياسري “لم يقرأ له من قبل” كما يقول القصيبي، ويضيف عنه قائلا: “ومن الصفحة الأولى شدني الديوان الصغير، ولم يطلق وثاقي إلا بعد أن انتهيت من آخر كلمة. الشعر الجميل نادر جداً جداً.. جداً.. جداً ” ، واختار منه مقاطع، منها:

” الليلة أعبر عامي الخمسين

وما زلت أعلل امرأتي

وأقول :

يا امرأتي لا بأس عليك

إن أمامي بضع سنين

وسأجعل منك امرأة تملك بيتاً

وسريراً للنوم .. وطاولة تؤوي زوجك

إذ يذكر عشب قراه الأولى منتحباً …”

   وهذه القصيدة تذكرني بقصيدة (الوحدة) للبياتي التي غناها الفنان إلهام المدفعي  ـ لا أدري أين قرأت هذا الخبر ـ عام 1992 في حدائق قاعة الأورفلي للفنون التشكيلية، في ليلة من ليالي بغداد المقمرة، تقول:

   ” كقطرة المطر|كنت وحيدا| آه يا حبيبتي، كقطرة المطر| لا تحزني|سأشتري غدا لك القمر| ونجمة الضحى| وبستانا من الزهر | غدا إذا عدت من السفر | غدا إذا  أورق في ضلوعي الحجر|لكني، اليوم ، وحيد| آه يا حبيبتي |كقطرة المطر”.

   إن أيام العمر أقل من تحمل الذل، عبرت الخمسين وأنت تعللها ببيت وسرير وطاولة!. لا أبا لك!، إياك أن تدعها تسافر بجواز عربي.. دَعْها تنعى الوطن المذبوح على صليب الزنادقة، صباح مساء في ضريحي “الكاظم وأبي حنيفة”، وحولها جاراتها ناحبات معية صغارهن الجياع، فذلك يفقأ عيون الجلادين، فليس الوطن مزرعة حفنة من الأقزام.

   “لقد طوت العصور ألف بساط وبساط من أسمار السلاطين والفراعين والمترفين، ولكنها لم تقدر أن تسحب بساطا واحدا من تحت أقدام فنان أصيل”(18)

. يقول البياتي في (تجربتي الشعرية)(19):

       “سمعت المتنبي وهو يتمتم بأبياته، راسما دوائر نارية ومشعلا الحرائق في كل مكان، والقتلة يطاردونه من حلب إلى شعب بوان، ومن الكوفة حتى القاهرة.. أتذكره وهو يفضح أول دكتاتور من ورق”. وفي كتاب (كنت أشكو إلى الحجر) يقول: “إن قدري كشاعر قد تقرر في أزقة باب الشيخ، وشارع الرشيد ومقاهيه، وتحت قباب بغداد الأسطورة والواقع”؛ “حب من باب الشيخ ورائي يمتد كخيط مسحور”. ورفض أن يموت في مقابر الزعماء الخصيان، واتخذ من ابن عربي جارا له في سفح قاسيون منذ الخامس من آب عام 1999، كما فعل من قبله “شاعر العرب” ـ كما يسميه العقاد ـ أحمد الصافي النجفي، ومحمد مهدي الجواهري:

          أبا فرات وأمواج الفراتِ غفت          حتى استحالت غثاء في ضحى الأحد (20)

     تقول وزيرة الثقافة السورية: “وكيف حال الفرات، بعد أبي فرات، وأبي علي، وأرض العراق، التي في حدق الردى، كيف يصرعها الردى، ويحرمها أن تكون مثوى لمن أحبتهم، وأحبوها، وفي نبتها كانوا بانا، فإذا البان يصوحه، حر الفراق، فيغدو خشب نعوش، وكان المأمول أن يكون أقواس نصر للأحبة العائدين”(21).

     وكأن مدنا تنجب شعراء عظاما وأخرى تفتخر أرضها ليموتوا فيها، وحتى لا يكونوا بعيدين، وهم حتى في قبروهم، عن بغداد والنجف والكاظمية وباب الشيخ، والشريف الرضي، والزهاوي، والرصافي، وبدر شاكر السياب، وجواد سليم.    

ومن منفاه في لندن نسمع صوت صديقنا الشاعر الشعبي عزيز السماوي(22) يدمدم :

 ” وينك يا عراق الناس،

يا ليل المحبة إو للمحب كاس

يا دمعة صديق إعله الوجن نجمة صبح تنباس

أعرفك ترفع الراس

صهيل أول حضارة إو شيلة الراس

سومر .. بابل .. إو آشور

خيول إمن اللهب

بين الكتب  .. تـنباس”

  ماذا جنيتْ عصافيرُك يا بغداد فتصبح بلا منازل، ترهق أجنحتها الغضَّة معاول الغربة، وقد سلب منها الوطن؟.

    يا أيها الشرفاء هذه بغدادكم، يرضيكم أن يحرقوها المغول الجدد؟!.. وتجترها معدة رعاة البقر.. من منكم يرضى أن يغتصب عرضه؟!. كم نتمنى أن يتغنى باسمها في الإذاعات؟!.. وكم يفرحنا أن نطالع في كل الصحف أخبار شعبها الصامد كل يوم!.. ما أحلى أن نزف إليها الأشعار!.. اخطبوا رضاها بقول الحق عن حالها في كل المساجد والكنائس.. فالساكت عن الحق شيطان أخرس.. ولنتآخ ولو مرة واحدة ولنتجاف عن الدنيا وأيقن أنها مفارقة ليست بدار خلود. “يا أيها المملوك.. بكم تبيع هذه القيود؟.. فهذه الليلة لن تعود”.       

    سنعود يا بغداد سنعود، وعلى حدقات أعيننا لك شعراً كتبناه، إن المحب لمن يحب مطيع، ولن تخيفنا مسدسات النازيين ولا جنود فرعون، ولن نرضى أن نكون فلسطينيين جددا، فغضبك إعصار ليس له حدود، سترعد له كل الأرض. وعيونك تحتل كل خرائط العالم.. وتحتلني.. وتحتل كل شبر من دار السلام.

“يا وطني المعروض كنجمة صبح في السوق

                               في العلب الليلية يبكون عليك

                              ويستكمل بعض الثوار رجولتهم

                               ويهزون على الطبلة والبوق

                                أولئك أعداؤك يا وطني”(23)

ولم يكن  بدر شاكر السياب (المولود سنة 1926) ونازك الملائكة ( سنة 1923) وبلند الحيدري ( سنة 1926) والبياتي( سنة 1926) رواد حركة الشعر الحر الذين ثاروا على القصيدة العمودية فحسب، وإنما رموز أسطورة الثورة الأبدية التي لا تموت، حيث امتدت جذورها في كل مساحات الكرة الأرضية، عندما غرسوا نخيل الفراتين بجواز سفر الكلمة في كل الأنحاء: في بيروت، والقاهرة، ودمشق، والبحرين، والجزائر، والرباط، ولندن، وموسكو، وبرلين، وبكين، ومدريد، وغرناطة، وباريس، واستانبول، وطهران، ونيويورك، وفيينا، وبراغ، ومسقط، حتى جزر القمر. اسمع ما قاله الشاعر العالمي الكبير نظمت حكمت من قصيدة في البياتي:

       “هناك رجال يعرفون ألف نوع من الأعشاب،

                                             آخرون يعرفون أنواعا من الأسماك

                                             أما أنا فقد عرفت أسماء الفراق

                                            هناك رجال يعرفون من الذاكرة اسم كل نجمة

                                             أما أنا فقد عرفت أسماء الحنين”.

   الشعوب مضرموا النار في التأريخ، ولن يخضعوا للتدجين،  يا سارقي الأكفان من الأموات، اللاهثين في دهاليز الخيانة كالكلاب، خذوا أسمالكم قبل أن تُرَحَّلوا بلا توابيت، وولوا هاربين واندسوا من حيث جئتم في العتمة، قبل أن يكتسحكم الطوفان الآتي. أحفادنا إن لم يكن أولادنا، وأوراقنا وكتبنا يا بغداد ستصل إليك، وإن كانت مبللة بالدموع، ستصل.

                                            “وطني درع فولاذي يحمي غرة بغداد

                                                     كعبة حب يحرسها الله

                                              كل غزاة التاريخ انهزموا في بوابتها

                                                 صاروا في ذاكرة التاريخ رماد

                                               يتبارى في قوس الشمس دفاعا عنها

                                                                 الأسلاف والأحفاد”(24).

   وتأبى  ذاكرتي أن تعود إلا من حيث بدأت، فأرى أمامي الشاعر ابن زريق البغدادي الذي هاجر مرغما من موطنه بغداد، قاصدا الأندلس ، وقد ترك وراءه زوجة يحبها وتحبه. يقول في قصيدة  وجدت معه عند وفاته سنة 420 هـ:

          استودعُ  الله   في   بغداد  لي  قمرا         بالكرخ  من  فلك  الأزرار   مطلعه

          عسى الليالي التي أ ضنت بفرقتنا            جسمي  ستجمعني يوما وتجمعه (25)

———————————————————-
هـــوامـــش:

1- المقري، نفح الطيب، تحقيق إحسان عباس، بيروت 1388-1968: 4|352.

2- المجلة العربية، الرياض، العدد 275، السنة 24، ذو الحجة 1420|أبريل 2000: 48.

3- صلاح نيازي في قصيدة “الجندي وبنات نعش”، مجلة الاغتراب الأدبي، العدد 42، السنة 14، لندن 1999: 76-79

 4- من قصيدة للشاعر نزار قباني.

5-  من قصيدة  للشاعر العراقي مظفر النواب، غدت أشهر من نار على علم بمناسبة انتفاضة الأقصى.

    6- صلاح نيازي في قصيدة “الجندي وبنات نعش” في نفس المصدر السابق.

7- نِزار قَبّاني، الحب لا يقف على الضوء الأحمر، بيروت 1989، ط 3: 168-189، من قصيدة وردة في شعر بلقيس.

8- عدنان الصائغ – شاعر عراقي يعيش في السويد – انظر: مجلة العربي، الكويت، العدد 458، أبريل 1999: 66.

 9- علي السبتي في ديوانه الثاني (وعادت الأشعار) الصادر عام 1997، بعد ديوانه الأول (بيت من نجوم الصيف) الصادر سنة 1969.

10- محمد حسن عبد الله، “قراءة نقدية في ديوان (وعادت الأشعار)”، مجلة العربي، الكويت، العدد 485، أبريل 1999: 91_95.

 11- عدت رواية “النخلة والجيران” ( 1966) لغائب طعمة فرمان، البداية الفنية الحقيقية للرواية العراقية. ولشهرتها فقد اهتم بها النقاد والدراسون كثيرا، انظر: خالد المصري، غائب طعمة فرمان: حركة المجتمع وتحولات النص، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق 1997.

 12- نجم والي، “من عبث الرحيل”، مجلة الاغتراب الأدبي، لندن 1999، العدد 42، السنة 14: 70-73.

  13-  انظر: زاهر الجيزاني، عبد الوهاب البياتي في مرآة الشرق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1997.

 14- بدر شاكر السياب، النهر والموت، مكتبة الأسرة: سلسلة الروائع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.

   15- سميرة المانع، مجلة الاغتراب الأدبي، لندن 1999، العدد 42، السنة 14: 37-41.

16- نزار قباني، الأعمال الشعرية الكاملة، بيروت 1971: 1|563-568.

17- غازي القصيبي، “شعر الأكواخ الجميل”، المجلة العربية، الرياض، العدد 266، ربيع الأول 1420|يوليه 1999: 20-21.

 18- من رسالة للشاعر محمد مهدي الجواهري إلى الروائي والقاص العراقي غائب طعمة فرمان.

    19-  انظر: ماهر الكيالي، عبد الوهاب البياتي في مدن العشق، بيروت 1995.

20-  من قصيدة للشاعر زكي إبراهيم السالم، انظر: مجلة العربي، العدد 194: 39.

 21- من كلمة وزيرة الثقافة السورية نجاح العطار، في تأبين البياتي، بعنوان: “مات البياتي.. فبكى الشعر !”، انظر: ينابيع البياتي: آراء، شهادات، مختارات، إعداد وتوثيق علي القيم، دمشق 1999.

22- عزيز السماوي ، النهر الأعمى: شعر شعبي عراقي، لندن 1995: 89-91. كما صدر له مؤخراً : أغاني الدرويش، ط 1، بغداد 1973، ط 2، لندن 1998؛ بانوراما عراقية، لندن 1998.

23-  من قصيدة مشهورة للشاعر العراقي مظفر النواب.

  24- من قصيدة للشاعر العالمي عبد الوهاب البياتي. انظر: ينابيع البياتي السالف الذكر: 125.

 25- فاروق شوشة، أحلى 20 قصيدة حب، مكتبة الأسرة: الروائع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996: 165ـ173.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*د.جاسم العبودي: أستاذ جامعي وباحث عراقي يقيم في مدريد، له مؤلفات معروفة جمة باللغتين العربية والإسبانية.

المصدر : العدد العاشر من مجلة ألواح – نشر في  23/8/2007 

اقرأ أيضا :التناقض الوجودي وما ورائيات النص عند محمود البريكان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى