أدبأقلام حرةمقالات

يوتوبيا أدب المدينة الفاسدة

أدب المدينة الفاسدة

رواية يوتوبيا للكاتب أحمد خالد توفيق .. سمعت الكثير عنها، وقرأت عن فكرتها وفهمتُ ما تدور حوله، لكني لم أتخيل أن لها مذاقا حارقا قويا مثل هذا ! هذا فاق خيالي..

سمعت أنها أحدثت ضجة وزلزلت أوساط النقاد والمفكرين.. والآن أدرك السبب جيدا..

عندما يفر الأثرياء بثرائهم.. وينعزلون في مستعمرات محصنة.. ويتركون الفقراء بين المجاري والجدران المهدمة.. ومن حين لآخر يتسلل أحد الشباب الأثرياء ليصطاد (فريسة) من البؤساء ثم يتصل بأبيه الملياردير لتأتي طائرات الهلوكبتر بقيادة المارينز فينتشلونه مع صيده.. وهم يطلقون الرصاص على الرؤوس المشعثة..

وهناك في يوتوبيا يتسلون بالمسكين ويعذبونه قبل أن يقتلوه كأي فأر حقير محتفظين بعضو من جسمه كتذكار !.. تزايد غضب الفقراء.. مغامرة تحبس الأنفاس لشابين مترفين علقا بين الآخرين ! هروب.. أشلاء بشرية.. دماء.. غدر.. ماشوسية.. فكرة رهيبة أجاد الدكتور وصفها، حتى ليكاد القارئ يرتعش لهولها..

اللغة متوسطة كالعادة.. فالدكتور أحمد خالد توفيق ليس أحد أعلام الأدب، وليس من عينة تلك الأسماء التي قدمت شيئا للغة الضاد.. هذا أكيد. لكنه عبقري لحد يثير استغرابي في كل مرة.. الطريقة التي يبني بها قصصه لا تُصدّق.. رهيبة حقا.. نعم، قد تُعجب بمعظم القصص التي تقرأها لأنك في أكثر الأوقات التي ترغب فيها بالقراءة تريد فقط أن تسافر بعيدا، أن ترى عالما آخر.. فأنت على كل حال، ستخرج من عالمك قليلا.. وبعد أن تعود.. ترمي الكتاب وتحرك رأسك راضيا عن القصة ومغزاها العميق الذي ربما لم يكتشفه الكاتب نفسه.. لكن في قصص الدكتور شيء مختلف.. لا أعرف ما هو بصراحة.. فهذا أكبر مني.. ولذلك أسميه (عبقرية) كي أستريح وأخرج من باب واسع.. ولكن يا ليته أعمل هذا النبوغ وهذه العبقرية في طريقها الصحيح.. ليته فعلها.. ليته يفعل.

لن أسهب في التعبير عن مدى إعجابي بالرواية كفكرة وكصنعة.. فهذا لن يضيف جديدا.. لكن ملاحظتي الرئيسية حول (يوتوبيا) هي أنها فكرة مبالغة قليلا في الجانب السلبي.. كما تخيل أفلاطون المدينة الفاضلة.. ونعلم كلنا أنه لا وجود لها فوق هذا الكوكب.. ولن توجد.. تخيل الدكتور أحمد (يوتوبيا).. وبرأيي لن توجد.

كلنا درسنا في التاريخ عن الطبقات الأرستقراطية وإذلال الشعوب و.. الخ. لكن هذا الخليط الاجتماعي العجيب سرعان ما يستقر على حالة هي أقرب للوسط أو دونه قليلا.. سواء بثورة أو بطريقة أخرى.. المهم تعود سنن الحياة لتنتظم كما خلقها خالقها، تجري بهدوء كما تجري المياه في مجاريها.. وتبقى في المجرى الصخور وتبقى الطحالب والضفادع والمنعرجات والانحباسات وكل شيء.. وكذلك.. يبقى في المجتمعات الثراء الفاحش والفقر المذقع وانتهاك الحريات.. فلا مكان لهذه الشاعرية وهذا البحث عن السيف الصارم المسلول الذي يقسم كل شيء إلى أنصاف متساوية.. دعنا لا نبحث عن هذا، ولا نشغل أنفسنا به.. فلنصلح ما أمكننا إصلاحه بحكمة دون الإيغال في الحلم والفلسفة الجوفاء..

هذا من جهة.. أما مسألة (دعوة الشباب) وتهييجهم ليخرجوا – وقد فعلوا – ويثوروا، واعتبار ذلك بطولة وشهادة فأمر بعيد عن الحكمة تماما.. هو أقرب إلى العدالات الشعرية بالمسرحيات الحالمة.. حيث يموت البطل وفي ركن فمه ابتسامة وبيمينه قطعة خبز !..

زد هذا إلى موضوع (المدينة الفاضلة) إياه.. ليست الأمور بهذا الصفاء والنقاء في عالمنا.. هناك شيء اسمه الحكمة.. شيء اسمه المصالح. .شيء اسمه الصبر.. شيء اسمه الإيمان.. شيء اسمه الشرع.. وشيء اسمه الإذعان لأوامر خالقنا وكلامه القرآن.. وليس للأفكار الشاعرية البشرية والفلسفات الكمالية، فلو نظرنا في كلام ربنا وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم – إن كنا مسلمين – لا نجد هذا الفكر.. بل نجد التعقل والسعي لحقن الدماء ما أمكن.. حتى العقوبات والقصاص أحيطت بسياج متين لدرجة أن من رأى امرأة تزني فعليه بشهود حتى تقبل شهادته وإلا جُلد هو !.. هذا منعا للظلم ولحفظ الأنفس والأموال ما أمكن.. وليس ما يدعو إليه الدكتور ومن يحملون فكره.. من خروج وعصيان وتضحية ودماء وأشلاء واغتصاب وانتقام ونيران.. من سيحمل مسؤولية هذه الضحايا ؟ تحملها أنت يا دكتور ؟

نحن لدينا التوكل على الله الذي يعبر عنه دائما الدكتور بالتواكل.. ويبالغ كعادته في أننا ننام ونكتفي بالأماني.

نعم هذا حاصل لدى فئة من الناس.. لكن لماذا كلما ذكر موضوع التوكل ذكر لنا هذا المثال ؟ إن التوكل من أعظم العبادات في الإسلام يا دكتور.. قال ربنا (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)، وقال سبحانه (ومن يتوكل على الله فهو حسبه).. فلماذا ننبذ التوكل بهذا الشكل.. على الأقل فسر وبين الفرق بين التوكل والتواكل.

لكن الدكتور يكتفي بالطعن في المتدينين كلما ذكرهم ويصفهم بالنفاق والازدواجية.. مرات كثيرة قرأت له هذا وسمعته يقوله في لقاءات تلفزيونية له.. هذا عجيب !.. هل هذا هو التدين الذي تعرف يا دكتور ؟ لو كان الأمر بهذا الشكل الذي تصوره لنا لوجب علينا ترك كل طريق يؤدي إلى التدين.. ثم أين هجومك هذا على الخلاعة والعري والجنس المحرم الذي وصفته لنا – أكثر من اللازم – في روايتك.. أم أن هذه طريقة للإصلاح كما يقول كل مخرج سألوه نفس السؤال عن فلمه ؟ صدقني.. الشباب لن يخرجوا كلهم بأخلاق نبيلة صافية بعد قراءة روايتك.. وأذكرك بالضجة التي أحدثتها مسرحية (مدرسة المشاغبين) في مصر.. إذ قرأت أن معدلات الشغب ارتفعت إلى حد مهول.. فالشباب لن ينتظروا مشهد الختام بالمسرحية الذي ربما يحمل رسالة جيدة حتى يقولوا اااااه.. هذا جميل.. بل سيفضل جزء كبير منهم ثلاث ساعات الأولى من المسرحية حيث الشغب والجنون !.. الشباب منهك أصلا يا دكتور، فأرجوك لا تقل لهم.. أين حقكم في المرأة.. حتى القط له هذا الحق، بل صبرهم حتى يمن عليهم الله بالزواج كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.. نصحنا بالصيام وغض البصر.. أما أنت فلوحت بيدك في عصبية شارحا لنا كم نحن مظلومين ثم انصرفت.. ماذا إذا ؟ نثور ؟ وإذا اغتُصبت إحدى قريباتك في الثورة مثلا أو قتل بعض أقربائك بأشنع طريقة.. تقبل ؟؟

ثم هو قال كلاما خطيرا جدا في مطلع (يوتوبيا).. لما تكلم عن نظرة الشباب الثري في مستعمرة يوتوبيا إلى الدين والله وأنه ملاذ الجبناء والذين لا أمل لهم في الحياة.. وكرر هذا عدة مرات في الرواية.. دون أن ينسف هذا الإلحاد.. فماذا يريد من هذا ؟ لماذا تنفث فكرا إلحاديا في كتابك يا دكتور وتسلمه الشباب ؟.. ماذا تريد منهم ؟ أن يتركوا الدين ؟ لماذا تُرسخ هذه الأفكار في رؤوسهم ؟.. الله شيء يلجأ إليه من لا أمل له حتى لا يسقط في العذاب النفسي الذي لا قبل له به ؟؟ أعوذ بالله..

على كل حال.. كنت أقول أن كلام ربنا يعلمنا كل خير لنا في دنيانا وأخرانا.. يعلمنا أن ما يصيبنا من عنت وقهر راجع إلى ذنوبنا نحن وجرائمنا نحن.. وليس بسبب ضعفنا وجبننا فحتى لو تناحرنا وفاز المحروم أخيرا بقوته و(ثوريته) إن لم يمتثل لأوامر الله التي أرسل بها نبيه عليه الصلاة والسلام وشاء أن يأخذه لأخذه أخذ عزيز مقتدر.. ولخسف به الأرض.. ما الحل حينها يا دكتور ؟ نثور على الله أم ماذا ؟ ألا ترى معي الآن أن الحل في الرجوع إلى من بيده كل شيء وليس في فلسفات الغرب و(استمنائهم الفكري) على رأيك ؟

لذلك وجب علينا اتباع توصيات النبي صلى الله عليه وسلم، فهو – طبعا – أعلم وأحكم من الدكتور أحمد خالد توفيق.. وليس كل من صرخ وأخرج سيفه أو دعى إلى ذلك فهو البطل الشجاع الحر النبيل !

إنما الحكمة كل الحكمة في الكتاب والسنة.. لن نربح – والله – ما خالفنا هذه المصادر المعصومة من الزلل والضعف البشري.. حتى لو استحسنت عقولنا بعض الفكر الإنساني وبدا لنا بعضه منطقيا.. فحتى السارق المكبوت المنهك يرى سرقته مبررة تماما ومنطقية.. وليست كذلك !

كتبه :

رفعت خالد 

اقرأ أيضا : نظرة عامة وتاريخية للإغتراب بقلم محمد زينو الصائغ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى