أدبأقلام حرةمقالاتمقالات أدبيةمقالات مختارة

نظرة عامة وتاريخية للاغتراب بقلم محمد زينو الصائغ

نظرة عامة وتاريخية للاغتراب بقلم محمد ذنون زينو الصائغ

نظرة عامة وتاريخية للاغتراب

بقلم محمد ذنون زينو الصائغ

يمكن القول أن من أصعب المشاكل التي تعترض الإنسان هي تلك المسائل التي لا يمكن إعطائها حلاً قاطعاً، لاسيما إذا كان الجدل حولها دائراً بين مفكر وآخر. والاغتراب أحد أهم وأكثر المسائل إثارة للجدل، لا بسبب غموض معناه فقط وإنما بسبب التعريفات الكثيرة التي وضعت له وكثرة اتساعها واستعمالها وكثرة العلوم والاتجاهات التي تناولته بالبحث والتحليل والاختلاف في تحديد بداياته. ولكن ذلك لا يعني أنه من المستحيل تحديد بدايات هذه الفكرة أو هذا المصطلح. إلا أنه لا بد من القول أن العملية لا تخلو من صعوبة وتبقى اجتهاداً ويبقى الباب مفتوحاً أمام الآخرين تجاهها.(9/ص79).

  لقد حاولنا في هذا البحث تسليط الضوء على بدايات الاغتراب وجذوره وتناولنا بعض العلماء والمفكرين الذين كانوا من أوائل من انتبهوا إلى هذه الظاهرة فأثارت اهتمامهم فكتبوا عنها. فضلاً عن ذلك فإننا في البحث ارتأينا أن نستعرض بإيجاز أفكار اختصاصين وجدنا أنهما قريبا الصلة بموضوع البحث وهذان الاختصاصان هما (علم الإنسان/الانثروبولوجي) و (علم التربية) وذلك لتتكامل أطراف الموضوع وينجمع أغلبها فتتوضح للقارئ النظريات والآراء التي عالجت موضوع الاغتراب وبداياته. فللاغتراب جذور تاريخية عميقة تمتد في الأساطير واللاهوت البدائي والكتب الدينية إلى الأعمال الأدبية والفنية المعاصرة، فضلاً عن أنه يستخدم في القانون والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم السياسة وعلم النفس. وتلوح لنا فكرة الاغتراب في سفر التكوين في قصة خلق الإنسان والثمرة المحرمة وخروجه من الجنة. ونستطيع أن نتلمس بوضوح جذور هذا المفهوم في الفلسفة من الملاحظات التي سجلها فلاسفة اليونان القدماء.(10/ص19).

  ويمكن العثور على الدلالات الأولية لمفهوم الاغتراب في أعمال أفلاطون وسقراط وكتابات القديس أوغسطين اللاهوتية، وكذلك مارتن لوثر إذ يستخدم المصطلح للدلالة على صراع الإنسان مع نفسه من أجل تجاوز سقطاته وذلك بالارتباط بكائن مفارق أسمى ومحاولة التوحد معه.(3/ص574). وقد ازداد اهتمام الباحثين بظاهرة الاغتراب نتيجة للتغيرات الجذرية والعميقة في الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي رافقت التحول الصناعي في القرن التاسع عشر الذي أدى إلى زيادة ظاهرة الاغتراب حدة، فقد طرحت العديد من المشكلات على سطح ظاهرة الاغتراب وإن لم تكن تلك المشكلات والظروف حديثة، فالبعض منها كان موجوداً في عصور سابقة للعصر الحديث، ولكنها آنذاك لم تكن قد بلغت درجة من الحدة والوضوح والنضج مثلما بلغته في العصر الحديث.(4/ص11).

فقد تغير بناء المجتمع وشخصية الإنسان في أواخر العصور الوسطى وأصبحت وحدة مجتمع العصور الوسطى ومركزيته أكثر ضعفاً وازداد المال والتنافس والمبادرة الاقتصادية الفردية أهمية وتطورت طبقة ثرية جديدة، ولوحظ وجود نزعة فردية متنامية في جميع الطبقات الاجتماعية أثرت بدورها في جميع مجالات النشاط الإنساني من فن وفلسفة ولاهوت وموضة وفقدت العلاقة العينية للفرد مع الآخر طابعها المباشر والإنساني وأصبح لهذا الطابع روح الاستغلال وتحول كل شيء إلى آلة.. حتى في العلاقات الاجتماعية والشخصية نجد أن قوانين السوق هي القاعدة.(8/ص43،100). ولقد أصبح الاغتراب في النصف الثاني للقرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين تعبيراً سائداً عن بؤس الإنسان في تفاقم النمو الرأسمالي وطغيان مصالح الرأسمالية الاحتكارية. فجاءت معالجات هيجل للاغتراب وكانتّ من أهم وأخطر المعالجات، فقد أعطى هيجل الاغتراب مغزى علماني من ناحية ارتباطه بواقع الحياة المعاشة، ذلك أن الاغتراب عند هيجل واقع وجودي متجذر في وجود الإنسان في هذا العالم، فثمة انفصام موروث بين الفرد بوصفه ذاتاً مبدعة خلاقة تريد أن تكون وأن تحقق نفسها وبين الفرد موضوعاً واقعاً تحت تأثير الغير واستغلالهم.(3/ص574). وقُدر لماركس من بعد إكمال هذا المضمون العلماني للفكرة، حيث أن طبيعة الإنسان السوية أن يحقق ذاته في العمل، وهو الأمر الذي منع عنه وما استطاع تحقيقه بسبب النظام الاقتصادي الذي حاصره، ومن ثم فان المفتاح العام للمشكلة هو (دراسة معاناة العامل في ظل الرأسمالية). لقد رد ماركس الاغتراب إلى الواقع الاجتماعي والبناء الاجتماعي للمرحلة التي يمر بها المجتمع ولا يمكن فهم هذا الواقع إلا بالنظر إلى البناء كُلاً.(11/ص55). أما الاتجاه الآخر الذي تناول الاغتراب فقد تجسد في ما صار يسمى بنظرية المجتمع الكتلي(*) Mass Society أو المجمعات السكانية.(المجتمعات غير المتجانسة) حيث تكون الأهمية السائدة والطاغية في هذه المجتمعات هي للمال والعمل من أجل تحقيق الأرباح بلا حدود، فيما تهبط قيمة الفكر والثقافة هبوطاً مزرياً ويأخذ الفرد من الحضارة قشورها (أي مفرداتها الظاهرية) فينصب اهتمامه الأكبر على تكديس الثروات والتملك والتعلق بدواعي الأبهة.(12/ص193).

وقد وقف كل من أميل دوركهايم وفرديناند تونيز وماكس فيبر وجورج سميل، كلٌ لأسباب خاصة به على ما أحدثته الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في حياة المجمعات السكانية من تشتت وضياع، فأدانوا (غياب عادات المجتمع التقليدي) وما نتج عنها من غياب الشعور بالانتماء إلى المجتمع. فقد أصبح الإنسان معزولاً بحدود لم تكن معروفة له وغدا كائناً مجهولاً وغير مشخص في الأحياء المستحدثة وأجواء المدن وتحشداتها السكانية غير المتجانسة ومقطوعاً عن القيم القديمة التي تربى عليها ومن غير إيمان بالنظام البيروقراطي(**) والعقلانية التي حلت محلها. وتتمثل أزمات هذه المدن في صور اغترابية كئيبة تجسدها أوضاع ثقافية واقتصادية واجتماعية متناقضة يتكون منها وضع هجين ومنقسم على ذاته بين التحديثات الشكلية وبين البدائية الثقافية والحضارية.(12/ص194). ولعل أوضح تعبير لصورة الاغتراب في أجواء هذه المدن هو ما عبر عنه دوركهايم بـ(فقدان المعايير أو الانوميAnomie أوالتفسخ الاجتماعي) في كتابه الموسوم (تقسيم العمل) .

وكان يعني به أنماط العلاقات الاجتماعية التي لا تحقق السعادة والرخاء والطمأنينة للإنسان بسبب وجود مقاييس كثيرة ومتناقضة تؤثر في سلوكية الفرد تأثيراً سلبياً وفي تكوين علاقات أخلاقية مع الآخرين حتى تصبح هذه العلاقات مصدراً للاحباط والشقاء الفردي وتسهل إصابته بالأمراض النفسية نتيجة عدم قدرتهم على التكيف الاجتماعي وشعورهم بالعزلة الاجتماعية مما يدفعهم ذلك إلى الانتحار.(13/ص1 ـ 3).

فلانومي هي وصف لظروف اجتماعية من خصائصها الشاهدة عليها؛ الأنانية المسرفة وانحلال القيم والروابط وتداعيها فهي اللامعيارية أو الضياعية أو الوصل بالتنظيم الاجتماعي إلى مرحلة التفكك… أما شبنجلر وعلى الرغم من أنه لم يعمد إلى دراسة الطبيعة الرأسمالية الجهنمية التي تسوق البشر إلى حتفهم في تلك الأمكنة الهائلة (المدن) عبر القطيعة بين الثقافة والأرض الأم. إلا أنه أعطى انطباعاً قوياً عن اغتراب الروح الإنسانية في كثافة الجسد الاجتماعي المتنامي سرطانياً في المدن المتورمة. فالمدن الرأسمالية الكبرى غارقة في سيول من المشكلات والأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تجسدها الأزمات النفسية بما تتضمنه من القلق والشعور بالعزلة والضياع والغربة الذاتية وحالات الاضطراب النفسي والأمراض العقلية التي تنتشر في المدن والمناطق الحضرية بشكل مذهل.(5/ص90).

 لقد تعددت التسميات لظاهرة الاغتراب من أجل أن تلائم حالة المجتمعات المختلفة والتخصصات العلمية والاجتماعية والنفسية المختلفة، فلقد طور كل من ماكس فيبر وسميل هذا المعنى وهذا المضمون للاغتراب، فأكد فيبر على نحو خاص الإيغال الجوهري الحاد باتجاه العقلانية والتقنين في المؤسسات الاجتماعية فانحسرت العلاقات الشخصية وحلت بديلاً عنها البيروقراطية غير المشخصة (يقصد الارتباط بمؤسسة أو مصنع) وأكد سميل على أن الاغتراب سببه التوتر في الحياة الاجتماعية، أي بين الذات وما هو شخصاني من جهة وبين (التشيؤ) وغير المشخص من جهة أخرى.(1/ص157).

  أما توينبي في تفسيره لظاهرة الاغتراب فيرى أن بعض الأماكن التي نشأت فيها الحضارة لم تكن ملائمة أو ذات شروط مشجعة بل هي أماكن قاسية أو تتمتع بمزايا صعبة وتبعاً لذلك وبدافع غربة الإنسان عن الطبيعة الصعبة تحفز باتجاه مجابهة الصعوبة والسيطرة على الطبيعة بوساطة الفعل الحضاري. وبذلك يفسر توينبي الاغتراب عن الطبيعة بأنه واحد من أهم  أسباب نشوء المدينة وقد عبر عن ذلك بنظريته المعروفة (بالتحدي والاستجابة).(5/ص27). وقد تبلور تيار آخر وأخذ أتباعه يستعيدون في كتاباتهم المضامين الوجودية لمصطلح الاغتراب التي أكد عليها هيجل، وهكذا فإن سورين كيركجارد، وتأكيداً على الخبرة الذاتية في مقابل ما هو موضوعي فقد أيان بأن الوصول إلى قدر من الشعور بالذات في عالم يخضع (للعبثية) وغياب الهدف والقلق هو جوهر الاغتراب. وهكذا كان الأمر عند مارتن هايدجر وجان بول سارتر وغيرهما من فلاسفة الوجودية الذين استبعدوا المضمون الديني عن الحل من وجهة نظرهم.(3/ص574). فالوجوديون يرون أنه لا المطلق الهيجلي ولا دكتاتورية الطبقة العاملة يحققان الحرية التي يسعى إليها الإنسان ويتصورون الاغتراب على أنه ضرب من ضروب الوجود الزائف غير الأصيل وغير المشروع الذي يسقط فيه الإنسان سقوطاً يفقد معه حريته ومعنى إنسانيته وجوهر وجوده، ومن هنا كانت الحرية عند الوجوديين مرتبطة بالاغتراب ارتباطاً وثيقاً فهي لا تكون ولا تكشف عن معدنها الحقيقي إلا من خلال عملية قهر الاغتراب.(2/ص17). غن الاغتراب في الفلسفة الوجودية أرض خصبة ترعى عليها أقلام الوجوديين، فهي تحرص على حرية الإنسان ولكن هذه الحرية تتجاوز ذاتها نفسها بحيث تصبح حرية بلا حرية وتبقى الذات هي المعيار لكل شيء. وقد بدأت بدورها بالنمو مع كيركجارد، فالمرء مغترب عن ذاته وعما حوله، واليأس صفة داخل نسيج وجوده، وقد رأى أن تجاوز الاغتراب يتم عن طريق الدين. ثم تطورت هذه الفلسفة وتفرعت إلى شقين هما: الشق الذي يمثل (الفلسفة الوجودية المتدينة) والشق الذي يمثل (الفلسفة الوجودية الملحدة) وبالنسبة للشق الأول لدينا برديائيف الذي يرى أن (الحرية المطلقة) هي أساس الشخصية الحقيقية للإنسان وأن مشاكله تحلها الوجودية المسيحية. ولدينا أيضاً غابرييل مارسيل وكارل يسبرز ومارتن بوبر، وكلهم يلتقون في نقطة واحدة ألا وهي أن الاغتراب ينتهي مع الإنسان بمجرد تسليمه بالدين المسيحي. أما الشق الثاني فيمثله هيدجر الذي وضع الإنسان أمام الموت فهو معرض له في كل لحظة ولذا فهو (يعاني الاغتراب). ولدينا أيضاً كامو الذي حياة الإنسان بلا جدوى وسارتر الذي عد ذات الإنسان ناموس الوجود وسيمون دي بوفوار التي رأت في (الفشل) عنواناً عريضاً يزين جبين الإنسان… إلى آخر من هناك من ممثلي هذه المدرسة. وباختصار فان الوجودية تعتمد على اللاعقلانية، حيث ظهرت في ألمانيا مع بداية الحرب العالمية الأولى، مع أزمة البرجوازية وحدة تناقضها ومن ثم انتشرت في فرنسا عن طريق جان وهل ثم في كل الدول البرجوازية. ويظهر الاغتراب بشكل صارخ في كتاب ممثل (الوجودية الجديدة) كولن ولسن الانكليزي، فالانتماء صفة تطبع نفسيات الكثير من الكتاب والمفكرين والفنانين الذين كتب عنهم وهذا يظهر في كتابه الأول (اللامنتمي) وكذلك في كتابه (مابعد اللامنتمي) و(سقوط الحضارة) حيث يبين لنا من خلال معالجته لنتاج الكثيرين من الكتاب والفنانين أمثال: ويلز،هنري باربوس،كامو، سارتر، نجنسكي، فان كوخ ودستوفسكي، حالة الغربة التي يعيشونها فهم يقفون خارج المجتمع وضده. ولكن معالجة ولسن لهؤلاء مرتبطة برؤية ذاتية للامور، وهو من ممثلي جيل الغضب الذي ظهر في بريطانيا بسبب حدة التناقضات والتوتر في العلاقات الاجتماعية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.(9/ص84).

  ولم يقتصر بحث موضوع الاغتراب على الفلسفة والدين أو علم الاجتماع فقط بل تعداه إلى مواضيع واختصاصات أخرى مثل التربية وعلم الإنسان (الانثروبولوجي).

اقرأ أيضا : مفهوم الاغتراب بقلم أسامة عبد الرزاق الشحماني

 

فالدراسات الانثروبولوجية تتناول مفهوم الاغتراب من زاوية الظواهر المرتبطة بالنظام الاجتماعي العام بدرجة أكبر من بحثه من الزاوية البنائية التفصيلية. فالانثروبولوجيون قدموا دراسات هامة تبحث العوامل المتصلة بأبطال مفعول الاغتراب من زاوية النظام القرابي والطقوس والدين وتربية الصغار وأثر التآزر أو التضامن الاجتماعي، وأثر اللغة المشتركة في توطيد العلاقات الاجتماعية وأهمية الهوية الحضارية كقوة جماعية تدعم القيمة الذاتية للأفراد وتقوي تماسكهم الاجتماعي، كما تمخضت البحوث الانثروبولوجية عن آراء عميقة حول نوعية من العلاقات البشرية اتصفت بالنضج العلمي لاعتمادها على التحليل البنائي المقارن ويلمس هذا الاتجاه في بعض الدراسات المعروفة كالتي قام بها ردفيلد عن النمطين الفلكلوري والحضري. أو دراسة العالم تونيز للجماعة المحلية والمجتمع الكبير. أو تلك التي تناول فيها سير هنري مين المجتمع القائم على المنزلة (المكانة) والمجتمع المعتمد على (العقود). ودراسة ويرث للعلاقات الأولية والثانوية.

  ومع أن هذه الدراسات تنطوي على مضامين مختلفة للاغتراب ومعالجته فان تلك البحوث الانثروبولوجية والاثنوجغرافية الخاصة بنمطي المجتمع البدائي والحضري تعد ذات فائدة خاصة لتشخيص تلك التحولات التي وقعت في مجالات الأدوار في المجتمعات المعقدة والمتقدمة بما تحمله من تهديد للهوية الشخصية وتضاؤل للمعاني ونمو سطحيتها وتناقص فرص التسامي وزيادة العوامل المؤدية للعزلة والانحراف والأمراض العصابية والذهانية. كما كشفت هذه الدراسات عن الحركات الروحية والطقوسية العميقة التي اتخذت صورة التمرد الحضاري السلمي الهادف للتحرر من السيطرة القيمية والتكنلوجية الأجنبية كما في الحركات الأهلية التي انتشرت في ميلانيزيا وأمريكا الشمالية.(10/35،36).

لقد امتد مجال دراسة موضوع الاغتراب إلى المجتمعات التقليدية والنامية وتلك التي كانت ولا تزال في بعض الكتابات يطلق عليها اسم المجتمعات (البدائية) التي تخضع الآن لكثير من عوامل التغير والتحول السريعين وما يترتب على ذلك كله من تصدع في الأبنية الاجتماعية والثقافية التقليدية وتهدم في المعايير والقيم التي كانت تحكم سلوك الناس وتصرفاتهم. وصحيح أن مصطلح الاغتراب لم يظهر في الكتابات الانثروبولوجية إلا منذ عهد قريب جداً، ولكن المفهوم نفسه وجد له تعبيراً في كثير من المصطلحات الانثروبولوجية مثل (الانسلاخ عن القبيلة) أو (تصدع الانتماء القبلي) وكثير من الكتابات الانثروبولوجية التي تعالج مشكلات التغيير البنائي في المجتمعات الافريقية لن يمكن فهمها فهماً صحيحاً وفي كل أبعادها إلا في إطار مفهوم الاغتراب.(10/ص11).

ومن العلوم التي تطرقت أيضاً إلى موضوع الاغتراب (التربية المعاصرة).فالعملية التعليمية المدرسية تتجسد فيها عملية الفصل الملازمة للإجراءات والأساليب المستعملة في التربية والتعليم وهي ذات طابع مؤسسي غير عائلي، فالطالب يواجه الانفصال عن أسرته وعن النشاطات الترفيهية وغير الرسمية التي اعتاد عليها هناك في المحلة ومع الأصدقاء، فهو في المدرسة يطالب بضرورة التخلي عن نظرته الذاتية المتحيزة لنفسه التي نشأت بسبب الرعاية الخاصة التي غمرته بها أسرته ومعارفه. إذ أن الظرف التعليمي الجديد يخضعه لظواهر تنافسية وتقنية ورسمية وغير شخصية تجري في قاعات التدريس أو الصفوف.(10/ص23). فالدروس الأكاديمية التي تفرض بمنهاج خاص تولد نفوراً لدى التلاميذ، فالمدرسة تفرض عن طريق المخطط الثقافي والاحتياجات التي تقدرها المؤسسات الاجتماعية الموجهة كالدولة منهاجاً أكاديمياً مثقلاً بجوانب كثيرة من المعرفة الجامدة والبعيدة عن احتياجات التلميذ الفكرية والاجتماعية، وهذه الهوة التي تفصل بين ما يفرض على التلاميذ وبين ما يرغبون أنفسهم بدراسته جعلت من المدرسة مؤسسة اجتماعية تزاول عملها بشكل ميكانيكي.(6/ص11).

  أما بالنسبة للمعلمين والمربين، ونظراً لتعدد الدوائر والمؤسسات التي يرتبط بها هؤلاء ولاختلاف المستويات الثقافية التي يقدمون خدماتهم فيها، فإنهم يتعرضون لتجربة الاغتراب، وهذا يظهر بصورة خاصة في المجتمعات الرأسمالية لاعتماد التربية على مؤسسات أهلية ومما يضاعف من الواقع الاغترابي للمربين هو إحساسهم بالانفصال النسبي عن الجاه الاجتماعي الذي تتمتع به بعض الاختصاصات الأخرى كالطب والهندسة مثلاً، وإلى جانب كل ذلك فاغتراب المربين يأتي من أن الخطط والأساليب التعليمية الموضوعة في مدارسهم لا تخضع لاجتهاداتهم وآرائهم الشخصية، بل هي برامج رسمية مستقلة عن نزعاتهم وميولهم الفردية. والسبب الآخر لاغتراب المربين هو الانتقاد الموجه إليهم بسبب اتساع درجة الانحراف والشذوذ الاجتماعي بين الطلبة وتردي المستويات العلمية والفكرية التي يرجعها البعض إلى تقصير المدرسين والمربين.(10/ص24).

 يقول روسو: ان الشرط الأول والمطلق الذي ينبغي أن تقوم عليه التربية السليمة هو ألا تطبق عليها قوانين السوق أي قوانين البيع والشراء، فالمربي الجيد في نظره ليس إنساناً للبيع ولا ينبغي أن ينتظر من وراء رسالته التربوية فائدة مادية، أو منفعة عاجلة. وما هذا بالأمر السهل في العصر الحديث، عصر الحسابات المادية، ذلك لأن العلاقات الإنسانية سواء على مستوى الأفراد أو الدول صارت تخضع لمعيار واحد هو التماس الفائدة أو المصلحة مما يعرضها لخطر التجمد والعقم.(7/ص80 ـ 81).

  وفي الختام لا بد أن نوضح نقطة مهمة متعلقة بسر الوجود الإنساني، وهي أن الإنسان مهما اكتسب من معرفة ومهما نما وقوي، يبقى هناك شيء ما يقلقه، يدخل في نسيج وجوده، ولعل هذا الشيء باق إلى الأبد (ان السؤال عن معناه بوصفه إنساناً محدود القوة، نسبي في معرفته، قصير في عمره؟) وهذه النقطة هي التي أوجدت وولدت ما ندعوه بالاغتراب، فالإنسان يعيش الاغتراب قليلاً أو كثيراً لا سيما في مجتمعنا المعاصر، ومادام عمر الاغتراب هو عمر الإنسان فلا يمكن أن نتناوله من كل جوانبه أو في كافة مجالات المعرفة في السياسة والفن والأدب والثقافات المختلفة وهو الذي خصصت له كتب ومجلدات حيث يندر أن نقرأ كتاباً مهما كان طابعه ومضمونه بدون أن نعثر على جذر من جذور الاغتراب فيه، ويندر أن نسمع كاتباً أو مفكراً أو ناقداً أو مثقفاً يحدثنا عن موضوع ما، إلا وجدنا الاغتراب يدخل بشكل أو بآخر فيما يحدثنا عنه… فالاغتراب من أعقد القضايا والمشكلات التي يواجهها الإنسان، ونجد أن كل شخص له موقف محدد تجاهه يتعلق بمنظوره للحياة بجوانبها المختلفة.(9/ص78بتصرف).

——————————————————————
(*) يقصد بالمجتمع الكتلي أو الجماهيري، المجتمع الذي يتكون من عدد كبير من الأفراد تربط بينهم أقل درجات الوحدة في التفكير أو السلوك المنظم ولا تجمعهم إلا الانفعالات العنيفة والرغبة في الاحتجاج وإبداء السخط. وتمثل الكتل الشعبية على هذا النحو أدنى درجة من الاندماج وأعلى درجة من الضغط، ويعبر بعضهم عن هذا المعنى بكلمة (الحشدCrowd) أو القطيع الذي يتحرك عن طريق العدوى الاجتماعية.

(**) البيروقراطية: مجموع موظفي أو أجهزة السلطة التنفيذية ولا يحمل هذا المدلول معنى غير مستحب، ولكن تعقد وظائف الدولة التنفيذية مع الزمن وازدياد تدخلها ومضاعفة الجوانب الفنية للعمل الاداري والروتين يضاعف من عيوب البيروقراطية.

——————————————————————
الـمـصـادر:

(1)ـ حمزة،بركات/الاغتراب/المجلة الاجتماعية القومية/المجلد29/العدد3/القاهرة1992.
(2)ـ الخولي، يمنى طريف/العلم والاغتراب والحرية/القاهرة/الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987.
(3)ـ دائرة المعارف البريطانية E.B. مادة الاغتراب1-Alienation.
(4)ـ رجب،محمود/الاغتراب/مصر،منشأة المعارف1978.
(5)ـ السيد جاسم،عزيز/تأملات في الحضارة والاغتراب/ط1بغداد/دار الشؤون الثقافية العامة1986.
(6)ـ السامرائي،متعب مناف/ثورة على القيم/ط1بغداد/مطبعة التلغراف1965.
(7)ـ الفيومي،محمد إبراهيم/ابن باجة وفلسفة الاغتراب/ط1بيروت/دار الجيل1988.
(8)ـ فروم،اريك/الخوف من الحرية/ترجمة مجاهد عبدالمنعم مجاهد/بيروت/المؤسسة العربية1972.
(9)ـ محمود، إبراهيم/حول الاغتراب الكافكوي ورواية (المسخ)نموذجاً/مجلة عالم الفكر/المجلد15/العدد2/الكويت1984.
(10)ـ النوري، قيس/ الاغتراب اصطلاحاً ومفهوماً وواقعاً/مجلة عالم الفكر / المجاد109 / العدد1/الكويت1979.
(11)ـ Bottomore T.B.and M. rubel.(Karl Marx) selected writing in sociology and social philosophy – New York – Macmillan 1979.
(12)ـ Cosier,Lwis. A-The Function of Social Conflict -Chicago-Free Press1956.
(13)ـ Durkheim,Emile- The division of Labor in Society -Chicago-Free Press1947.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمد ذنون زينو الصائغ: كاتب وباحث عراقي في علم الاجتماع.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى