أدبأقلام حرةمقالاتمقالات دينية

كارلوس فوينتس: عيسى المسيح

ترجمة : مروة محمد رزق

والمقال من كتاب ( أعتقد ) لكارلوس فوينتس، 2004م

نص المقال :

أبحث بلا جدوى عن شخصية تاريخية أكثر اكتمالا من شخصية عيسى المسيح. الشخصيات التي عبرت مسرح التاريخ بقوة أكبر ينقصها رغم نشاطها الخارجي المكثف تلك المملكة الروحية الداخلية لدى عيسى. المتصوفة أنفسهم، مع زخم حياتهم الداخلية، لم يحظوا بذات المكانة التي يشغلها عيسى في التاريخ، كشخصية تاريخية نشطة. يتعفف أكبر العلماء، نتيجة لخضوعهم للموضوعية اللازمة للوصول إلى نتائج ممكنة التصديق، عن الأبعاد الروحية والأخلاقية المنسوبة إليه. لا يمكن لوم ألبرت أينشتاين على الموت فى هيروشيما، و لكن مع ذلك يمكن لوم هيملر على الموت في أوشفيتز. فعيوب العباقرة الكبار، رغم أنها تدعو إلى التندر فهي شيقة أيضا، مثلها مثل فضائلهم. و نجد في النهاية أن، فحش موتسارت، وفوضى بيتهوفن، وفظاظة جوجول، وشراهة بلزاك، ورذائل كلوريدج وبودليير، لم تؤثر مطلقا على إعجابنا بأعمالهم. لا أحد يتمنى أن يكون جاره مختلا بدرجة ديستويفسكى. وقطعا يصبح باخ أكثر من عانى من الشيزوفرنيا هدوءا وتخفيا.

حيث اختلطت الشخصية العامة مع الشخصية الخاصة لدى الفنانين مكونة فضائهم الأيديولوجي. آراجون، وإلوار، ونيرودا، وألبرتى، كأبطال شيوعيين؛ بين، وبوند، ودى أنونثيو، وسيلين، وبرازيلاخ كأنصار للفاشية، فقد استحقوا استهجانا لاذعا لم يفسد، في النهاية، جوهر أعمالهم. وعلى الجانب الآخر، ضحايا التعصب، والديكتاتورية، والعقائدية يتخطون مستوى أعمالهم و يتم الإعجاب بهم كشهداء، بدءا من فيفر إلى لوركا وميجيل إيرناندز، ومن جيوردانو برونو إلى أوسيب مانديلشتام وإيزاك بابل، ومن سور جوانا أنيس دى لاكروس إلى آنا أخماتوفا. و الصف الطويل من المنفيين من قبل ألمانيا النازية، وروسيا السوفيتية، وإسبانيا فرانكو، وديكتاتوريات أمريكا اللاتينية، والمكارثية الأمريكية.

تفرد شخصية عيسى يعود إلى بقائه، وذيوع وقيمة أعماله نابعة من الظلام وعدم الشهرة، من أن الحواريين لم ينقذوه ولم يعلن عنه إلا القديس بطرس، كان من الجائز أن نبي الجليل المتواضع يتوه، كغيره من القديسين الذين جابوا أراضي العالم القديم. ولكن لا شىء، لا الحواريون، ولا القديس بطرس، ولا حتى الكنيسة ذاتها، بقادرة أن تسلب عيسى شرطه كإنسان ضعيف، عديم السلطة، ومترفع عن الرفاهية، متحول بفضل فقره وضعفه إلى أكبر رمز لخلاص الإنسان.

هل ترجع قوته إلى أن عيسى هو، بالفعل، الرب الابن، المتساو مع الأب في القوة والفضائل، الجناح المجاور له في الثالوث، وتكون الروح القدس هي ثالثتهما في التثليث. أدانت الكنيسة باعتبارها هرطقات النظريات المضللة والأدبية حول العلاقة بين الإله الرب والإله الابن. نادت الغنوسية السورية لدى ساتورنيل بوجود أب واحد فقط، مجهول كلية، نزل إلى العالم كمخلص، ومنقذ، ذاتي الوجود، غير مادي وبلا شكل. ومظهره فقط (عيسى الناصري) هو الإنساني. لما؟ كي يتعرف عليه باقي البشر. أما الباسيليون والغنوسيون المصريون فقد قالوا بأن الأب لم يولد قط ولم يكن له يوما اسم. والمسيح هو مجرد حرف فى عقل الأب. وأقسم السابليون أن الأب والابن والروح القدس هم نفس الكائن: رب فريد بثلاثة مظاهر وقتية مختلفة. ودافع الأبوليناريون الاثنيين عن وجود ابنين، أحدهما أنجبه الأب الرب والآخر أنجبته المرأة مريم. وذهب النسطريون بهذه النظرية إلى مدى أبعد يتعلق بالشخصية المزدوجة. فالمسيح هو فى حقيقته شخصان، أحدهما الإنسان، والآخر هو الكلمة. ولذا يجب التفريق بين أفعال الإنسان عيسى، وكلمات الرب المسيح. وأخيرا، من بين أكثر هذه الهرطقات تأثيرا، اعتبر الآريوسيون الابن مجرد تدفق، أو استعراض أو منشق من مادته نفسها.

من بين تلك الهرطقات حول شخص المسيح، الوحيدة التي تجذبني هي، مع احترام كافة التصورات عن طبيعته، التي تتمركز في الإنسان الذي عاش بين البشر هنا، فوق هذه الأرض، والذي أعطى شتى الدلائل جدية وبقاء لما يعنى ما هو أن تكون إنسانا بين البشر. عيسى كنواة حية لكافة الاحتمالات والتناقضات البشرية هو بالنسبة إلى الأعمق والباقي من بين هؤلاء الأرباب. الرجل الذي دعا بفطرته إلى البراءة والطهر، ولكنه دعا أيضا إلى الغضب الفعال ضد الفرسيين والتجار في المعبد. عيسى الذي يطالبنا بـ” أن نعطى الخد الآخر” والذي يقول شنوا الحرب لا السلام. والذي يقول “دعوا الأطفال يأتون إلى” ويحثنا على ترك الأب والأم لنعمل في هذا العالم.

هذه هي قوة عيسى التي لا يمكن قهرها. من الفقر، والبساطة، والمجهول، بشر بشيء أكبر من خلاص العالم. بشر ومارس الخلاص في العالم. قدم لنا العالم كفرصة للخلاص، لا كأرض منقادة قدريا نحو الشرور. وهكذا نحصل على الحياة الخالدة، والتي حقيقتها هي بعد روحي للرغبة الإنسانية. هو رجل يصل بالتطلع الإنساني إلى أقصى مداه مثل: كيف نعيش معا، كيف نعير بعضنا البعض اهتماما ورعاية، وأن لا نتساهل مع النفاق، والرياء، والمتاجرة بالمقدسات، التي في النهاية لطخت الكنيسة التي شيدوها تحت اسمه.

عدم اليقين حول عيسى هو سر عظمته. حياته السرية والغامضة هي أساس خلوده. علاقاته الشخصية كانت مع أكثر الأشخاص دناءة وكفرا. لم يبشر المؤمنين. لم يشرع عقائد. تناقضاته نفسها منعته من ذلك. كما أننا لا نعرف شيئا عن مرحلة بلوغ وشباب المسيح. مع من كانت علاقاته؟ هل كان شرها للجنس أم لوطيا، أم هل تعفف نهائيا عن الجنس؟ هل كان مثل القديسين أوجستين وفرانسيسكو خاطئا شبعانا ثم تاب؟ لماذا الوقت هو ملعبه، ولماذا يحثنا على الإيمان بالوقت. يوجد في كلماته إيمان غير عادى بالزمن، فمع ظهور الأبدية كأفق لكلماته، فالمستقبل البشرى هو هدف الإيمان عند عيسى. الإيمان عند عيسى هو ما يطلبه من أجل أن نعمل في العالم. الفردوس عند عيسى هو التضامن مع الآخرين، لا إمبراطورية في السماء. الجحيم عند عيسى هو الظلم فى الأرض، لا جحيم غائر يتطاير منه اللهب. ما يخزنه عيسى للحياة الخالدة هو قيم الحياة في العالم ” لأني حين جعت فأطعمتمونى. عطشت فسقيتمونى. كنت غريبا فآويتمونى. عريانا فكسوتمونى. مريضا فزرتمونى. و”متى أعطيناك كل هذا؟” فيرد على مستمعيه ” الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم”.

الاستعارة في طريقة بعثه هي وسيلة لإخبارنا أننا مجبرون على استكمال الحياة، لا مواصلتها فقط، وأن استمرار الحياة بالرغم من نهايتها بالموت هي جوهر الخلود. الخلاص موجود في العالم. والجحيم كذلك. وكُلف العالم بأن يثبت أن عيسى محق. لم يبعث عيسى الموتى. وإنما يبعث الأحياء.

العلاقة بين الرب الأب والرب الابن، طالما أرقت ملحدين ورجال الدين في الكنسية كذلك، وهى لا يمكن أن تتحاشى حقيقة أن لا أحد يعرف الأب، بينما الابن، بخلاف ذك، فقد شاهده الناس. نستطيع أن نضع تصوراتنا. ربما لم يغفر الأب للابن رغم أن عيسى لم ينفك يخبره ” انظر، إني أفعل المستحيل كي يعرفوك”. ولكن ربما يغضب الأب لأنهم لم يروا الابن كموفد له، وإنما كرب حقيقي، بفرض أنه قد تجسد لهم. كما أن عيسى لم يكن منقذا للإنسان وحده، وإنما منقذا للرب نفسه، فقد أنقذه من السمعة القاسية والانتقامية التي عرفوا بها رب إسرائيل. منحه الابن، كما كان سينال في أزمة الشيوعية ” وجه بشرى للرب”. هل حقد عليه الرب؟ هل نهاية الصليب هي عقاب الأب لإنسانية عيسى المتمردة؟ ” أبى، لماذا تركتني؟” كم ألم هائل تحتويه تلك الكلمات، كانت النهاية مريعة، و ما أكثر الجدل الذي خلفه وراءه موت وبعث عيسى ثانية، عيسى الذي خذله الرب. مزية أخرى أضيفت إلى أسطورته وهى البعث، والذي كان بمثابة المكافأة من الرب لهجرانه له، مع وعد بالعودة إلى جواره، مختلطا به، في الثالوث، أو معاقبا إلى الأبد من الرب، ومنهيا إلى صمت، أو مرتبة دنيا من الوجود.

صراع الأب ضد ابنه عديم الجدوى، إذا وجد الصراع. فقد انتصر الابن فوق الأرض، مهما قال الرب الأب أو فكر أو إن كان موجودا أم لا. نقرأ في الحدس العظيم لويليام بلاك ” غضب في السماء “rage in heaven، عيسى هو الابن العاق. والرب غاضب منه جدا.

أقول إنه بدون الحواريين، وخاصة بدون القديس بطرس، كان من المحتمل أن تنسى الأجيال اللاحقة عيسى. حرص القديس بطرس، إلى جانب شهادات الإنجيل، على أن يتملك المسيح مؤسسة و كانت الكنيسة. ما يؤكد أن عيسى حي إلى الآن في التاريخ، هو نفس الشيء الذي يعوق حضوره في التاريخ: الكنيسة المسيحية، الخاضعة لضغوط وتغيرات الحياة السياسية، من التزامات واستثناءات، ومن خيانات للمسيح، ومن الإغراء نحو الأشياء نفسها التي حاربها المسيح: النفاق، والرياء، والإيمان بالأكاذيب، والجشع للسلطة الأرضية. تحولت الكنيسة إلى صناعة المسيح، الصناعة التي تبعدنا عن المسيح. الكنيسة هي انتقام الرب الأب من مسيح منبوذ منه. تنبأ القديس أغسطس، وهو صوفي عظيم، بما حل بها: الكاهن، كالكنيسة، يمكن أن يصبح ضعيفا أو شريرا. ولكن ما يرفع من قدرهما هو الكهنوت. تضع الكنيسة عامليها فوق شروطها الخاصة. الذي لم يقله قديس إيبونا هو أن الكنيسة هي التي تغفر لنفسها، واضعة نفسها، باسم المسيح، فوق شروطها الخاصة. أقيم الحكم على أوريخين لأنه اعتير رحمة الله لا نهائية، حتى أنه قد يغفر للشيطان نفسه. كان عليه أن يضيف أنه سيضطر إلى الغفران للكنيسة ذاتها. لن أتكلم عن ثورة لوثر والبروتستانت. سأبقى في عصري وحياتي كي أرفض كنيسة بيو الثاني عشر، وتواطؤها مع فرانكو والنازيين. ثم، بعد انتصار الخلفاء، مع المخابرات المركزية الأمريكية، والمافيا، ولكن قد يحدث أن يتم إنقاذ شرف الكنيسة على يد بابا مثل خوان الثالث والعشرون، وعلى أيدي أسقف مثل أوسكار روميرو في السلفادور، ولكن يسقط العار مجددا على الكنيسة الأرجنتينية التي باركت ديكتاتوريات المجرمين، والقتلة، والمعذبين لإخوانهم.

الغير منطقي هو أن ألفي عام من الخيانات لم تقدر على قتل عيسى.

تدوم إمبراطوريات الشر قليلا. الرايخ كان سيدوم ألف عام، وفقا لهتلر، والمستقبل الشيوعي الموعود على يد البيروقراطية السوفيتية..ما عدد الفرق التي تحت سيطرة البابا؟ سأل ستالين بسخرية. يفوق بكثير الكرملين. ولكن جيوش الإيمان المسيحي تلك موجودة بالرغم من، وليس بفضل، المؤسسة الفاتيكانية، فهى تستغل، وتخطط، ولكن لا تصل إلى السيطرة الكاملة على شخص المسيح، والذي يتخطى دوما الكنيسة التي شيدوها باسمه. عيسى هو العذول الأبدي للكنيسة، ولكن على الكنيسة أن تساير أمورها مع عيسى كي تبقى. وعيسى يهرب إلى الكنيسة لأنه يتحول إلى معضلة لمن هم في خارجها. لم تستطع الكنيسة في الوقت الحالي أن تحتفظ بعيسى لمطاردة الملحدين والغير مؤمنين، لأن عيسى يصل بين قيم الحياة الأبدية وقيم الحياة في العالم، وهنا يتحول من مجرد إله هش تجسد في صورة إنسان. ويصبح الرب الذي قوته هي إنسانيته. وإنسانية المسيح هي التي حافظت عليه كلغز أمام حداثة تتحلى بطباع دينية ربما و لكن بلا إيمان دينى حقيقى. الكاثوليكى المرتد لويس بونويل، والثائر خارج الكنيسة، إنجمار برجمان، والمتدين الاجتماعي المدنى، ألبير كامو. ولكن قد يستطيع رجال دين إثبات ذلك في العالم، فرانسوا مورياك، جورج بيرنانوس، جراهام جرين. وخاصة المرأة المتدينة، سيمون ويل، التي تساءلت هل يمكن محبة الرب بدون معرفته؟ وتجيب: نعم. الإجابة المرعبة على سؤال ديستويفسكى المرعب: هل يمكن معرفة الرب بدون حبه؟ ستافروجين، وإيفان كارامازوف يجيبان: نعم. هذه هي المعضلة وعيسى وحده قادر على حلها. الإنسان لا يمكن أن يكون إلها، بينما يمكن للإله أن يكون إنسانا. ومن هنا ملايين من الرجال والنساء يعتقدون في عيسى وهم قوته، أكثر من الكنائس ورجال الدين. عيسى لا يبعث الأموات. عيسى يبعث الأحياء. عيسى هو مصحح الامتحان للبشر.

اقرأ أيضا : مختارات من قصص آنا ماريا ماتوتي 

0
الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “كارلوس فوينتس: عيسى المسيح”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق