أدبابداعاتقصص قصيرة

قصة قصيرة : تحية عسكرية

قصة قصيرة بعنوان : تحية عسكرية
بقلم أحمد الأسيوطي
——
للهواء طعم آخر واحساس آخر يشعر الانسان بمذاقه اذا كان حبيسا لمدة تجاوز التسعين يوما كالتي قضاها في المستشفى العسكري حيث اصيب اثر قذيفة صاروخية أطلقت على وحدته العسكرية دخل بعدها في فقد تدريجي للوعي ولكنه يتذكر صوت طلقات رصاص وصراخ ويتذكر جندي لم يتسنى له معرفة من هو كان يحمله على كتفه لفترة قبل ان يفقد الوعي تماما ..
كان قد إلتحق مجندا اجباريا في قوات الجيش منذ ما يقرب من عامين وها قد اوشك ان تنتهي مدة تجنيده الاجباري ..
خرج من المستشفى ماضيا نحو محطة القطار عائدا إلى بلدته بعد حصوله على اجازة عقب تعافيه ..
كان يتمنى أن يتعرف على زميله الجندي الذي حمله على كتفه ولكن لا احد يعلمه على وجه التحديد , ( زمايلك جابوك هنا ) هكذا كان يجاب اذا سأل عنه
في الطريق إلى محطة قطار الإسماعيلية كان يخيل إليه إنه يرى الناس لأول مره .. وكأن الناس غير الناس وان الزمان يمر امامه يراه كمتفرج لا كجزء من الأحداث .. يمرر عينيه على وجوه الناس التي ظل يتفرسها إلى أن وصل الى المحطة ..

كان رصيف المحطة مزدحما ومن الصعب أن تجد مكانا فارغا للإنتظار , لم يعبأ بذلك فقد تعود على الوقوف بضعة ساعات دون حركة في الخدمة في وحدته العسكرية ..
ظل واقفا يغدو ويروح ببطئ على رصيف المحطة متحسسا وقع خطواته بحذائه الميري الاسود شديد اللمعان وفي صمت راح ينظر بعيدا ..
صحيح كان شبه مغشيا عليه ولا يتذكر وجهه , ولكن زميله هذا يتذكره فقد كان في كامل وعيه بالتأكيد , وربما يلتقي به صدفة في محطة القطار فيتعرف عليه ) هكذا كان يحدث نفسه ..

فجأة .. شعر بيد خفيفة تلمس كتفه من من الخلف فإستدار فإذا هي كف رجل ستيني او سبيعني العمر قصير قليلا ذو شعر ابيض وملابس تبدو قديمة ومتواضعة وينظر إليه باسما ويقول:
-” تعالى يا دفعه اجلس هنا يوجد مكان الى جواري ” وألتقم يده واصطحبه الى مقعد رخامي من مقاعد رصيف المحطة انت صعيدي ” قالها العجوز وهو لا يزال يضع يده على كتفه نعم انا صعيدي .. كيف عرفت؟ ”

قال وقد مد يديه لامسا ذقنه ” وهي الوجوه السمحه هذه يخطأها أحد ؟! انت صعيدي ابن

صعيدي ” وضحك ضحكة خفيفة

اراد ان يخبره ان بشرته السمراء لا تكفي لتكون دليلا على انه من صعيد مصر فكل المجندين تكاد تكون بشرتهم واحده .. لذلك نظر إلى العجوز بدهشة واستغراب !! .. حتى لمح عامل النظافة الذي يجمع القمامة من على الرصيف وهو يغمزه بعينيه ثم يشير بيده نحو رأسه مديرا كفه في الهواء , ففهم ما يرمي إليه وادرك انه بصحبة رجل مجنون ! .

كان العجوز يثرثر بدون انقطاع , والقطار لم يأت بعد .. لقد تأخر القطار القادم من السويس كالعادة فتوجه إلى العجوز بالسؤال بقصد مقاطعة ثرثرته وتسلية وقته فسأله عن اسمه :
فأجاب –عبد النبي وهو كان اسمه عبد الغني , من قنا عندكم في الصعيد
– من؟!! .. ثم اني من اسيوط يا حاج عبد الغني

– أرأيت؟.. انت ايضا تقول عبد الغني وانا عبد النبي .. وهو بلدياتك من قنا
فمط شفتيه ازاء اصرار العجوز على انه من قنا ولم يجادله وأيقن ان الرجل كما أشير إليه “عجوز خرف ” مما جعله يدير رأسه إلى الجهة الاخرى يفتش في الأفق عن قطار يقترب !!
وظل العجوز يثرثر حتى بلغ في ثرثرته : بعد النكسه على طول ولكننا لم نكن نعرف ان الحرب انتهت ..

فأعاد النظر إليه وقال : نكسة !! ,, اكمل يا حاج .. ها .. وماذا حدث ؟

– عبد الغني هذا صديق عمري مثلما ذكرت لك وكان الجميع لا يستطيعون التمييز بيننا ودائما ما يخطئون بيننا فيكتبون اسمه مكان اسمي في الخدمة , والعكس .
فيذهب هو إلى حيث خدمتي واذهب انا الى حيث خدمته هو, فأجد افراد طاقم مدفعه الذي كان حكمدار عليهم غير افراد طاقمي
علت الدهشة على وجهه فقد كان هو ايضا في حكمدارا في سلاح المدفعية ولكنه ظل ينظر للعجوز في اهتمام ويطلب منه ان يتابع حديثه ..
– .. حتى ان المجندين معنا تعودوا على ذلك ولا يفعلون شيئا سوى ان يضحكون وفجأة سمعنا صوت الطائرات الاسرائيلية تقترب فجرينا نحو الخنادق انا وافراد طاقم مدفعي في خندق وعبد الغني على بعد مائتي متر منا بمدفعه وطاقمه في خندق آخر .. وظللنا نرمي طائرات العدو بالقذائف حتى نفذت ذخيرة المدافع , وكان معي سلاح آلي كلاشينكوف ظللت أطلقه نحو السماء ولكني لم اكن ارى شيئا فالطائرات من فوقنا والضرب في كل مكان وفجأة ..
ثم سكت العجوز وفمه مفتوحا وعيناه ذاهله وكأنه يعيش ما يحكيه ..
– اكمل يا حاج !!
– ظل العجوز صامتا ثم قال : لم اسمع صوت مدفع عبد الغني , قلت للجنود معي : ” مدفع عبد الغني سكت يا ولاد مدفع عبد الغني سكت !! ”
وهممت بالخروج من الخندق ولكنهم كانوا يجذبونني حتى استطعت الافلات منهم وظللت اجري وصوت الطلقات والقذائف من فوقي, وظللت اجري الى ان وصلت الى موقع عبد الغني فوجدت الجميع قد ماتوا والدماء تملئ المكان فأنحنيت نحو عبد الغني كان صدره ووجهه مغطى بالدماء فسحبته من سترته وحملته على كتفي وعدت اجري به مره اخرى سريعا نحو موقعي ووسط افرادي من اجل اسعافه .. وصلت .. ”
وهنا سكت العجوز برهة قصيرة …. ثم قال ” قالوا لي ( ده مات )
قلت لهم لا, لقد كنت اشعر بأنفاسه وانا احمله فوق كتفي واجري به ..
قالوا لي كنت تسمع انفاسك انت من شدة الجري !! ..
قلت لهم لا , عبد الغني حي وظللت أصرخ فيهم عبد الغني يا عبد الغني واقول لهم ( هايقوم أهو) ولكنهم حملوه وأخذوه من امامي وابعدوني عنه ولا اعلم أين ذهب ؟ اكيد ذهبوا به إلى المستشفى العسكري .. اصل عبد الغني لم يمت ” .
قالها وهو يشير بأصبعة جازما ( عبد الغني مامتش ! ) ..
كنا دائما نتقابل هنا في محطة القطار ثم نسير على اقدامنا لمسافة طويلة الى ان نجد سيارة نركب معها لغاية وحدتنا .. وسوف يعود , انا انتظره هنا كل جمعة .. كانت اجازتنا تبدأ الجمعة وتنتهي الجمعة وهو سيأتي اصله من قنا ..هو صعيدي وعمره ما يخلف كلمته .. انا حملته على يدي هذه فكيف لا يأتي عبد الغني !! .. عبد الغني سيأتي هو صعيدي وسيأتي ” وظل العجوز يردد وهو يبدوا غائب الوعي ” عبد الغني سيأتي ” عبد الغني جاي ” ..
حكاية العجوز عبد النبي عن صديقه عبد الغني ذكرته بمشهد ذلك الجندي الذي حمله يوم الهجوم على وحدته العسكرية وأخذ يتلفت تلقائيا نحو المقاعد كأنه ينتظر أن تقع عينه على أحد حتى سمع صوت دخول القطار إلى رصيف المحطة .. وفجأة وبصورة تلقائية وجد نفسه يميل على يد العجوز فيقبلها ثم يقبل كتفه ايضا وهرول ناحية القطار ليلحق به وفي سرعة وخفه تعلق بمقبض باب القطار واستدار ناحية الرصيف والقطار يتحرك وهو ينظر إلى العجوز ويشير إليه .. مؤديا تحية عسكرية !

تحية عسكرية

” تمت “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق