أقلام حرة

حاتم سلامة يكتب : أزياء الشيخ خالد

مقالات – حاتم ابراهيم سلامة :
رمانا الدهر بكل رزية، ولم تبقى إلا رزية عالم الدين، حينما يتحول إلى مسخ مهرج منافق بعدما أغرق نفسه في التلون والمجاملات والمداهنات، بغية التألق والظهور والبروباجندا.
عالم الدين بعدما كان النموذج الراقي للشخصية المتزنة العاقلة الحكيمة النبيلة، التي تلتزم حدود الدين، وتعاليم الله، ووقار العلم والعلماء، أصبح اليوم منهم مهرجون وبهاليل ومستخفون، ومغردون في حلقات النفاق.
بل أصبح اليوم منهم، من يحاكي الشيوعيين والملاحدة في خروجهم وكفرانهم بثوابت الدين وتعاليمه، فصار الواحد منهم، يؤول نصوصا، ويغير ثوابتا، حتى يرضي جنون الشهرة أو مرض الشهرة الرابض في نفسه وذاته كأسد مسعور، يفتك بكل شئ، ويدهس كل شي من أجل إطراء النفس وإرواء الذات.
ومنهم من يسيل لعابه للمناصب والمراكز، والقرب من ذوي السلطة والجاه والأثرياء، بل يلهث وراء الأعطيات والمكرمات والمنح والعطايا، تلك التي تمنحها تيارات معادية للدين والشريعة، يفعل الشيخ هذا على حساب دينه وقيمه وهويته.
ومع هذه الجنايات، يدعي الجاهلون بأنه شيخ منفتح ومتنور، وعصري وحداثي، وما هو إلا أحمق دعي مخرف مزيف مريض قليل الإيمان والتقوى، جريئ وقح لا يرجو لله وقارا.
كان هذا لونا من ألوان الدعاة الذين ابتلينا بهم في هذا الزمان.
منذ يومين خرج شيخ أزهري، بلباس الخواجات الكلاسيكي، ليبعث برسالة مفادها السخرية، من النمط الأزهري، ومحاولة لتمييع نظرة الناس لقداسة هذا الزي المبارك، وجلالة من يحمله.
يريد الرجل أن يفتعل شيئا جديدا ومجنونا، ليكون حديث الموسم، شأنه في ذلك شأن تلك الممثلة، التي كلما جاء مهرجان الجونة تتعرى، أو يتعمد إسقاط أسفل لباسها حتى تتكشف سوءتها، لتكون حديث الأنباء، ونبأ الوكالات وحكاية الفضائيات.
حاول الرجل أن يكون حديث العالم، حينما خرج على الأسماع يوما وادعى أنه قرأ ربع مليون مجلد، لكن الدنيا انقلبت عليه، وبعد عملية حسابية يسيرة، تكشف لها زيفه وكذبه وخداعة، إذ يحتاج إلى أعمار مع عمره، حتى يقرأ هذا الكم الهائل من أسفار العلم، الذي لا تطيقه الملائكة في عليائها، ولا الجن في خفائه.
ولما فشل في دعوى القراءة، التي كان ينتظر أن تجلجل لها الدنيا، جلس مع نفسه، وأخذ يفكر، ماذا أفعل؟ لابد من قنبلة وحادثة شاذة تثير غبار الإعلام، وفي نفس الوقت لا تبلغ درجة الإسفاف، فكانت الجناية على الزي الديني، الذي قد يرى بعض الناس أننا بنقده نتعدى على الحرية الشخصية، والإرادة الذاتية، لكننا لا نقصد إلى هذا أبدا، وإنما نعيب على العلم أن تنتسب إليه عقلية بهذا الخواء، ورأسا مليئة بهذا الاستخفاف، وفكرا جانحا لهذا الهزء، الذي لا ينطلي على الذين هم أهل الله وأهل كتابه.
ولعل كل من يقرأ مقالي يتعجب من هذا الطرح ويقول: ماذا فعل الشيخ، ليتم عليه هذا الهجوم وهذا الاستنقاص، فالله تعالى ينظر إلى قلوبكم لا إلى صوركم.
وهذا القول يطلق علي الانسان، لو كان يرتدي زي الفقراء والمحتاجين، الذي من شأنه أن يتجرد من الوجاهة وتعظيم الناس، هنا نقول للناس: رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره، يطلق على من يرتدي ذي الملوك وأهل الجاه، بينما حاله ينبئ بالعصاة.
الشيخ خالد لم يفعل شيئا، ولم يرتكب جناية، لكن كل مافعله أنه أتى بأعمال المهرجين، وظهر في الصورة التي خرمت وقار الدين.. انظر معي لأقرب لك المثل، ماذا لو خرج علينا شيخ الأزهر مثلا وهو يرتدي البرامودة والتشيرت القط أو الكت، هل سيكون ذلك مستساغا؟
ابتعد قليلا عن زي الشيخ خالد الجندي، واستمع للحلقة التي جادل فيها الدكتور كريمة، والتي يقر فيها فعل كل حرام ومنكر، مادام القانون يسمح به، إن الرجل بما أتى لا يفتي في الدين، وإنما يهدم الدين، ويعبث بثوابته وأصوله، في صورة هرائية غير مقبوله.
ولعل فعل الشيخ خالد الأخير، وهو الذي أريد أن أركز عليه الآن، وهو أن سلوكه هذا يعكس حالته، ويبعث على فهم شخصيته وتصرفاته، فالشيخ خالد يأخذ الأمور كلها بتهريج، الدين والفتوى والعلم والمنبر والمقام الأزهري.
حينما مات الشيخ الشعراوي، خرج علينا الشيخ خالد بنفس الزي الذي كان يتزيا به الراحل، وبنفس غطاء الرأس، حتى نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه، وكأنه يريد أن يقول لنا من خلال الزي أن الشعراوي لم يمت، وأنني خليفته المنتظر، ولكن فرق كبير بين الثرى والثريا، ولكن لا شك أننا نحمد أن يتشبه كل إنسان بالشعراوي، فالشاعر يقول:
وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم**إن التشبه بالرجال عظيم
وهذا تصرف مقبول وإن كانت فيه خفة ممجوجة، فالتقليد دوما تتقيأه النفس، وتستميعه الأذواق، ولكنه كما قلت مقبول، لكن الذي لا يقبل أن يتشبه داعية بالخواجة صروف،الذي هو يهودي يحيك المؤمرات في الخفاء.
شيوخ الدين ودعاته منهم قطاع يؤمن ويتصور أن الخروج على مفاهيم الدين واعتماد شبهات جديدة وغريبة، هو عين التجديد، وغاية الفكر ولمعان العقل، لكن الشيخ خالد له مفهوم أكثر إثارة في التجديد، وهو تجديد الزي وجديد الازياء، الشيخ خالد من يتابعه، في ملابسه وهيئته وتفصيلات أزيائه، يجد فيها شذوذا وغرابة، ويشعر أن الرجل يريد أن يقول شيئا، وهو أنه متميز ومختلف مغاير.
الشيخ خالد للأسف يتخيل نفسه نجم من نجوم السينما، ويتعامل مع حضوره الإعلامي على أنه من هذا الفصيل، ويرى أن قطاع الفنانين والفنانات، لا يفرقون عنه في شئ، وأن العالم يجب أن يهتم به كما يهتم بهم، في كل شئ في الشكل والفعل والتصرف، وحتى الملبس.
إنها أفعال رجل قلبه معلق بالدنيا لا بالله.
ومهما كانت الحرية الشخصية ومهما كانت الدعوة إليها، فهناك شئ اسمه الوقار واحترام المقام، الذي يخدم أفكارك، ويفيد غايتك.
لا ننتقد زي الرجل ولكن طلته السخيفة، قلبت علينا كل المواجع من تصرفاته وفتاويه الصادمة، والتي مازلت تصدمنا بغرابتها وشذوذها.
بقلم الكاتب والأديب
حاتم سلامة
0
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق