أحدث المنشوراتأخبارأخبار الأدبأدبمقالاتمقالات أدبية

الناقد عمر شهريار: “دون أشباهه” معاناة الفتيات في عالم قاس

مجموعة قصصية للكاتبة الشابة آية ممدوح

مقالات مختارة – مجلة الاذاعة والتلفزيون – عمر شهريار:

مجموعة قصصية للكاتبة الشابة آية ممدوح

“دون أشباهه”.. معاناة الفتيات في عالم قاس

– “كريمة والسماوات” بها روح فانتازية وحس غرائبي مدهش

كتب الناقد عمر شهريار :

بعد مجموعتها القصصية الأولى “شعر مستعار” تواصل الكاتبة الشابة آية ممدوح –التي أنهت دراستها الجامعية مؤخرا- خطواتها بمجموعة قصصية ثانية بعنوان “دون أشباهه” صدرت عن دار “الهدف”، في توقيت متقارب مع المجموعة الأولى، وهي علامة على غزارة الإنتاج الذي يكون مصاحبا دائما لمرحلة البدايات، حيث الاندفاع في الكتابة بلا هوادة، بضغط من الأفكار التي تلاحق المبدعين الشباب وتلح عليهم ليدونوها على الورق.

يبدو واضحا في مجموعة “دون أشباهه” اهتمام الكاتبة بالوصف، خاصة وصف الطبيعة، التي تتماهى معها بشكل كبير، الخضرة والماء والسحب والأمطار وهذه المفردات المخملية التي تتقاطع وتتناقض كثيرا مع أحوال البطلات ومعاناتهن الواقعية في ظروف اجتماعية واقتصادية ضاغطة، كما يبدو الاهتمام بوصف الطقس حاضرا، إذ يتناغم ضغط الطقس سواء بالبرودة الشديدة أو الحرارة اللاهبة مع معاناة البطلات، كما تتناغم جودة الطقس مع أحلام البطلات وتطلعاتهن للمستقبل. فدائما البطلة وحيدة، تائهة ومرتبكة، ضائعة في عالم مزدحم شديد القسوة، ولا يرحم أحدا.

بالطبع، آية ككاتبة شابة، تسيطر على مجموعتها الروح الأنثوية في كثير من القصص، باستثناءات قليلة يكون البطل فيها رجلا، وهذا ملمح يبدو طبيعيا، أن تعبر الكاتبة عن معاناة الأنثى، وتحديدا معاناة الفتيات في مثل عمرها، وعن أحلامهن وخيالاتهن، أن تكون صوتا معبرا عنهن، ونجد هذا منذ القصة الأولى “موديل” عن الشابة التي تبحث عن عمل وتعرض أعمالها على صاحب إحدى الشركات، أو في قصة “نيل” التي تعاني فيها البطلة لكي تبيع لوحاتها. وفي قصة “بسيوني” نجد البطل شابا، وليس شابة كالمعتاد، لكنه يعاني نفس الأزمات الوجودية، ويرغب في الانتحار، لكنه يؤجله بعد مشاهدة مقطع كوميدي في أحد الأفلام عن شاب أكثر فشلا منه. إنها نفس المعاناة لنفس الجيل الذي يحارب في كل الاتجاهات ويتغلب على الظروف التي تعانده بكل الطرق.

من الملامح التي أراها غريبة في المجموعة هو كثرة الجنسيات والسفر والوجود في بلاد أخرى، كما نرى مثلا في قصتي “بيضة زرقاء اللون” و”أرقام لها أعذار”، وهذا في حد ذاته لا مشكلة فيه، لكن سبب الغرابة هو صغر سن الكاتبة ومن ثم فإنها على الأرجح لم تطلع على حيوات وثقافات خارج مصر، لم تسافر وتحتك بثقافات أخرى، والأقرب أن هذا ابن الخيال، وهنا موطن الغرابة، فكثير من الأدباء الكبار المتحققين يخشون من الكتابة عن ما لا يعرفونه بعمق، ويخشون من التورط في الكتابة عن عوالم وثقافات وبلاد لا يعرفونها، ومن ثم فإنها جرأة من الكاتبة أن تغامر هذه المغامرة، بغض النظر عن نتيجتها، أو أن تكون القصص ليست بالعمق الكافي. وكان من الواضح أنها لم تحدد بدقة أسماء البلاد التي تدور فيها القصتان، وتركتها هذا عائمة، مع بعض الإشارات إلى المكان في قصة “أرقام لها أعذار”.

من أفضل وأجمل قصص المجموعة قصة “كريمة والسماوات” التي نجد بها روحا فانتازية وحسا غرائبيا مدهشا، والأهم أن القصة تبدو متماسكة دراميا، وتعتمد بشكل كبير على خيال جامح وغير محدود، حيث تسافر البطلة عبر الأزمنة والأمكنة إلى سماوات أخرى، إلى عالم الأموات، حيث ترى عالما ملائكيا، جنة مكتملة الأركان، جنة الأطفال وجنة الحالمين، تذهب وهي نصف نائمة نصف متيقظة وراء روح جدها التى غادرت المساء الأولى إلى سماوات أكثر رحابة. تبدو هذه القصة تحديدا مبشرة بقاصة وكاتبة واعدة.

في قصة “أبدو لهم” تجسد الكاتبة حياة فتاة تعاني الوحدة، بعد رحيل الأب والأم، فتبادل العالم قسوة بقسوة، بعد أن انفض العالم من حولها “تركوني أحتضن جسدي بذراعي. وحدي أنظر في أسقف المنزل”، فتملكتها “طبيعة إنسانة فظة.. حدود رهيبة وقوية مع الغرباء، وعطش دفين رهيب لمحبتهم يظهر فوق الجلد الرقيق جدا والخشن بشدة، حاجة متوهجة جدا للدفء”. إنها تنتقم من العالم بطريقتها، وترى في الحياة مؤامرة كبرى تحاك لها، فلم تستطع أن تتسامح بعد مع ما جرى لها من افتقاد المحبة، وتحولت إلى شخصية أنانية غير قادرة على العطاء والمبادرة به. انتزعت الحب من قلبها لتعاقب العالم، فعاقبت نفسها.

في قصة “زبونة” تنتقل الكاتبة إلى الواقع الاجتماعي والأحياء الفقيرة، ومطاردة شاب فقير لفتاة فقيرة مثله كي يتزوجها رغم حبها لشخص غيره، فيكيد لها. لكن رغم تماسك القصة فإن نهايتها تبدو أضعف ما فيها، وكان يمكن البحث عن مسار آخر للأحداث، فبدا أن ثمة تلفيقا في الدراما ورغبة في إنهائها بأي شكل.

مجموعة “دون أشباهه” –التي صدرت بالتزامن مع المجموعة الأولى- تبدو جيدة، لكنها كانت تحتاج لكثير من المراجعة والتنقيح لتلافي الأخطاء اللغوية الكثيرة فيها وكذا الارتباكات الواضحة في كثير من الجميل، لكنها فورة البدايات وزخمها، ولعل الكاتبة تكون أكثر تأنيا قبل إصدار مجموعتها الثالثة لتخرج في أفضل صورة، لأن “التالتة تابتة” كما يقولون.

بقلم الناقد / عمر شهريار 

صحفي وناقد أدبي

نشر هذا المقال بمجلة الإذاعة والتلفزيون 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق