أقلام حرةمراجعة كتابمقالاتمقالات دينيةهذا ديننا

الفلسفة القرآنية د. أيمن الجندي

د.أيمن محمد الجندى :

لو كان الأمر بيدي لوضعت مادة الكتاب كله في هذه الصفحة، ولكني أخشى عليكم من الضجر، وأومن أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، لهذا أهديكم بعضا من الكعك الساخن حول الموضوعات الهامة التي يكثر الجدل حولها هذه الأيام، وسأضرب صفحا عن أمور فلسفية لا طائل من ورائها كالقضاء والقدر، والأسباب والخلق: هل السبب موجد الشيء أم حادث سابق للشيء؟! أعتقد –وأظنكم توافقونني– أن هذه الموضوعات ترف فكري لا مكان له في عالم اليوم.
لا يمل العقاد ولا يكل من تذكيرنا بالتوحيد: أكمل عقيدة في العقل، وأجمل عقيدة في الدين.. خالق واحد لا أول له ولا آخر، قدير على كل شيء، عليم بكل شيء، محيط بكل شيء، ليس كمثله شيء، وعالم مخلوق.. خلقه الله، ويرجع إلى الله، ويفنى -كما يوجد- بمشيئة الله.
وحسبنا أن نفتح المصحف الشريف لنرى أروع وأكمل وأجمل صورة عرفتها الإنسانية لتنزيه رب العالمين، فهو الأحد الصمد {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}[3-4]، و{هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[الحديد:3]، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[القصص:88]، وهو{خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الرعد:16]، {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[البقرة:115]، {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحجرات:18]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}[البقرة:186] ، {لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الأنعام:103].
عقيدة خالصة نقية يتفرد بها الإسلام، درته الغالية التي يباهي بها الأديان الأخرى في مجال المقارنة والموازنة في عالم النفس والضمير.

القرآن والإعجاز العلمي

“الفلسفة القرآنية”، كتاب وضعه “العقاد” استجابة لرغبة أعضاء لجنة البيان العربي بعد مناقشة مستفيضة دارت بينهم، أكد فيها العقاد أن العقيدة الدينية لا تعارض الفلسفة في جوهرها، واستشهد بآيات كثيرة يستخرج منها المسلم فلسفة قرآنية لا تحول بينه وبين البحث في أغراض الفكر والضمير، وبعبارة أخرى: تصلح الفلسفة للاعتقاد كما تصلح العقيدة للفلسفة.
الدين –كما يقول العقاد- وجد قبل وجود الأوطان، باعث من صميم قوى الكون لا يفلح الأنبياء في نشر دعوته ما لم تكن مطابقة لحكمة الخلق وسر التكوين، ذخيرة من القوة تمد الجماعات البشرية بزاد صالح لا تستمدها من غيرها ولا تستغني عنها.
ومن حسن الحظ أن العقاد بدأ فصول الكتاب بذلك الموضوع الحساس الذي شهد مدا ملحوظا ومبالغة شديدة في السنوات الأخيرة، وهو موضوع القرآن والعلم، أو ما صار يسمى الآن “بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم”.
كان حاسما في رأيه أن العلوم الإنسانية تتجدد مع الزمن، ولا يندر أن تتقوض بعد رسوخ، أو تتزعزع بعد ثبوت، فلا يطلب من كتب العقيدة أن تطابق مسائل العلم كلما ظهرت مسألة لجيل من البشر، ولا يطلب من معتقديها أن يستخرجوا من كتبهم تفصيلات تلك العلوم!! وقد أخطأ البعض حينما أنكروا دوران الأرض واستدارتها اعتمادا على ما فهموه من ألفاظ بعض الآيات، وأخطأ –بنفس القدر- آخرون فسروا السموات السبع بالسيارات السبع في المنظومة الشمسية، ثم ظهر أنها عشر!
وهؤلاء الذين حاولوا التوفيق بين النظرية السديمية وآيات من القرآن الكريم {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}[الأنبياء:30]، فهي لا تعدو أن تكون فرضا من الفروض، يقبل النقص والزيادة، والنقض والتفنيد، فلا حاجة بالقرآن إلى موافقة النظريات المستحدثة كلما ظهر منها فرض جديد، وخليق بأمثال هؤلاء أن يُحسبوا من الصديق الجاهل؛ لأنهم يسيئون من حيث يقدرون الإحسان.
فلا حاجة بالقرآن إلى مثل هذا الادعاء؛ لأنه كتاب عقيدة يخاطب الضمير، وخير ما يطلب من كتاب العقيدة -في مجال العلم- أن يحث على التفكير، ولا يشل حركة العقل أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم، وكل هذا مكفول للمسلم في كتابه كما لم يكفل قط في كتب الأديان، فالإسلام يجعل التفكير السليم، والنظر الصحيح إلى آيات الله وسيلة من وسائل الإيمان: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ}[آل عمران:190]،{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ}[الروم:8].
وهو يعظ المخالفين عظة واحدة، وهي التفكير الذي يغني عن جميع العظات: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سبأ:46]، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}[البقرة:219].
ولا يرتفع المسلم بفضيلة كما يرتفع بفضيلة العلم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}[المجادلة:11]، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}[الزمر:9].
ولا يسأل المسلم ربه نعمة أهم وألزم من العلم: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}[طه:114]، فالقرآن يوافق العلوم الطبيعية بهذا المعنى، وفضيلته الكبرى أنه يفتح للمسلمين أبواب المعرفة ويحثهم على التقدم فيها، وقبول كل مستحدث من العلوم على تقدم الزمن، لا أن يصدهم عن طلب العلم بزعم أنهم حاصلون على جميع العلوم!

الشرائع ليست للأماني

ومن الموضوعات الساخنة ما يتعلق بتعدد الزوجات، من الأوهام الشائعة أن الدين الإسلامي هو الدين الكتابي الوحيد الذي أباح تعدد الزوجات، فتعدد الزوجات لم يحرم في كتاب من كتب الأديان الثلاثة، وكان عملا مشروعا عند أنبياء بني إسرائيل، فتزوجوا أكثر من واحدة وجمعوا بين عشرات الزوجات والجواري، والذي حدث في القرن الأول للمسيحية أن الآباء كانوا يستحسنون من رجل الدين أن يقنع بزوجة واحدة والأفضل ألا يتزوج البتة، باعتبار الزواج الواحد اكتفاء بأقل الشرور، إذ كانت المرأة عندهم شرا محضا وحبلا من حبال الشيطان، فهو لم يحرم التعدد –حين حرمها– إكبارا للمرأة وتنزيها لها عن قبول المشاركة في زوجها، بل لأنها شر يكتفى منه بأقل ما يستطاع!!!
وقد أباحت شريعة الإسلام تعدد الزوجات مع ضمان العدل بين النساء، ولم تفرضه كما يتبادر إلى أذهان الغربيين، والمسوغات لذلك كثيرة بعضها يرجع لخصائص الطبيعة، وبعضها إلى ضرورات المعيشة الاجتماعية، وربما عقمت المرأة أو أصيبت بمرض عضال، أو ذهبت عنها جميع المغريات الحسية والنفسية، فيضيرها الطلاق في هذه الحالة أكثر من المشاركة في زوجها.
ومن المحقق أن الإحساس الذي يتولد من تعدد الزوجات لا ترضاه النساء، ولكن أين هو المجتمع الذي يتكفل لكل إنسان بالرضا ويعفيه مما يخالف هواه!! فالمرأة – كالرجل– تلاقي في حياتها كثيرا من المنغصات كمهانة العمل، أو الدمامة، أو الغيرة البائسة، وليس في وسع الشرائع أن تعفي النساء أو الرجال من هذا الشعور البائس، ولا مناص-للمرأة والرجل على السواء- من قبول ما لا يقبل والرضا بما لا يُرضي في حالة القدرة والاختيار.
ومما لا شك فيه أن اتفاق الزوجين على الوفاء والعشرة الدائمة كمال روحاني مفضل على العلاقة بين رجل واحد وعدة زوجات، ولكن الكمال الروحاني لا يفرض بقوة القانون، هذه حالات يتمناها الناس ويحلمون بها، ولكن الشرائع لا توضع للأماني والأحلام، وهكذا صنعت شريعة الإسلام فاعترفت بأن الزوجة الواحدة أدنى إلى العدل والإحسان، وأباحت تعدد الزوجات؛ لأنه حالة لابد من حسبانها في الشرائع الاجتماعية، وإقامة الشرائع على إنكار الواقع نقض للشريعة من الأساس؛ لأن تحريم ما دون الكمال يوقعنا في مغالطة لا شك فيها، وهي أن الناس جميعا يستطيعون العيش على سنة الكمال.

الفرار إلى الله

واخترت أن أنهي المقال بباب التصوف، بعضه –كما يقول العقاد- دخيل فعلا على الدين الإسلامي (مثل ذلك القائل بالحلول ووحدة الوجود)، وبعضه الآخر أصيل فيه، مستكن بأصوله في عقائده الصريحة، مبثوث في آيات القرآن الكريم، فالمسلم -المطبوع على التصوف والبحث عن خفايا الآثار ودقائق الحكمة- حين يقرأ قصة موسى والعبد الصالح يفهم الفارق بين عالم الظاهر والباطن والشريعة والحقيقة.. وهو حين يقرأ في كتابه آيات مثل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الشورى:11] يعرف خلاصة العلم الذي يعلمه دارس الحكمة الإلهية، وحين يقرأ {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}[الذاريات:50] يعلم أن ملابسة العالم تكدر سعادة الروح، وأن الفرار إلى الله هو باب النجاة، وحين يقرأ أن الله {هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[الحديد:3]، و{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ}[القصص:88] يعلم أن الله أزلي أبدي قديم بغير زمان ولا مكان، وحين يقرأ {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}[النور:35] يفهم أن الوجود الحقيقي هو وجود الله.
بمثل هذه الآيات وغيرها يستطيع المسلم أن ينشئ مدرسة صوفية إسلامية لا تنعزل عن حقيقة التصوف وجوهره، الفارق المهم أن القرآن -حين يفتح للمسلم أبواب الحياة الروحية- يحرم عليه أن يوصد أبواب الحياة الجسدية، وينهاه أن يترك العمل لينقطع عن الدنيا وينسى نصيبه منها، بذلك تجمع له الشريعة بين الحسنيين، فلا هي استغراق في الجسد ولا انقطاع عنه، وإنما هي قوام بين هذا وذاك: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}[البقرة:87]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا}[البقرة:168].
وتنتهي مساحة المقال ولا ينتهي الكتاب، ألا رحم الله العقاد وجزاه عنا خير الجزاء، وبلغه ثواب ما علمنا ونفعنا وغفر له خطاياه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى