أشرف توفيقمقالاتمقالات أدبية

أشرف مصطفى توفيق : في صالون مي..صراع القلب والعقل

والحب إن قادت الأجسام موكبه          وإلى فراش من اللذات ينتحر
والحب في الروم لا في الجسم لفرقة       كالخمر للوحي ولا للسكر تنعصر

مي زيادة
عاش جبران ثمانية وأربعين سنة من ( 1883 – 1931 ) وكان متأثرا ًحتى سنة 1912 بأدب القصة وكتب : عرائس الروح, والأرواح المتمردة,والأجنحة المنكسرة متأثرا ًبالتوراة والروحانية المسيحية وإيمانه بالروحانيات بل التناسخ في الأرواح .
ويظهر ذلك من عناوين كتبه التالية : 
يسوع ابن الإنسان،
النبي – حديقة النبي آلهة الأرض
وفي مرحلة صراعه هذه بين القلب والعقل, تقابل مع إرهاصة أنثوية أخرى هي ( مي زيادة )(*)
تلك الأديبة الكبيرة التي تركت بصماتها على الحياة الفكرية في مصر وتأثر بها أدباء عصرها, وكان صالونها الأدبي أشهر صالون وكان يحج إليه العديد من كبار الكتاب وقتها ..

حياة مي زيادة 

 والذي يدرس حياة هذه الأديبة الكبيرة يعرف أثر طفولتها على حياتها .. فقد ولدت في (الناصرة) بفلسطين وأدخلها والدها مدرسة الراهبات في لبنان ..
 وهناك كانت تشعر بأنها وحيدة غريبة وسط جدران صماء بكماء,وأن أسوار هذه المدرسة قراءة الآداب العالمية وشعرت أن كتب الأدب تحملها إلى أعماق أعماقها ، وزادت من هذه الوحدة وفاة شقيقها الوحيد، فشعرت بحزن عميق في نفسها، عبرت عنه بقولها عندما امتدت بها الأيام في إحدى ترجماتها لأحد كتب (ماكس مولر) كتبت في الكتاب :
إلى العينين التي أطبقهما الموت قبل أن ألثمهما .. إلى الابتسامة التي لا أعرف منها إلا خيالا ً.. إلى الاسم العذب الذي لا تهمس به شفتاي دون أن تملأ عيني الدموع إلى الطفل الذي رحل إلى خالقه ، ويتم في عاطفة الحب الأخوي فحرمني من حذو الأخ وقبلته وابتسامته ودمعته إلى أخي الوحيد الذي تقاسمه الأثير والثري !

هذه النفس التي تألبت عليها وحشة الوحدة ، وآلام فراق الأخ الوحيد ، أضافت الأيام إلى هذين البعدين بعدا ًثالثا ًوهو الغربة التي شعرت بها عندما جاءت مع والدها إلى مصر ! 

وكان اللقاء الغريب .. 

كان على ورقة بيضاء عليها طابع بريد تحمل آهات وثورة وأفكار هذان الكائنان قمة التمزق في العقل والقلب بين الموجود والكائن والحلم والامل ولذا لم يكن عجيبا ًأن يكون (جبران خليل جبران ) هو حب ( مي زيادة ) رغم كل من أحاطوا بها وأحبوها أو حاولوا ذلك كان بينه وبينها حبا ًغريبا ًعمره كله([1])

رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة 

إحدى وأربعين رسالة بينهما ولأن كل منهما كان يعرف ويدرك ماهية الآخر تماما ًويظهر ذلك في القضية الفكرية والاجتماعية والأدبية التي كانت بينهما 
وقد لعبت ( مي زيادة ) في حياة جبران عن طريق الرسائل بعدة أشياء جعلته يسترد جنسيته اللبنانية ويسعى لذلك بدأب بعد أن كان هاجر إلى بوسطن سنة 1894 وحصل على الجنسية الإنجليزية فقد كانت تحلم بأن تتزوج حبيبا ًلبنانيا ً!!
 وجعلته ينقلب على حبه للروح إلى إيمانه بالحب المتكامل للحبيبة (الروح والجسد) ولكنه كان عذريا ًحتى في المراحل التالية في شعره.
كما ساعدته أن يخرج من شرنقة الشرق وبخاصة تأثره بالتوراة إلى الأفكار الغربية واستقر عند نيتشه .

أرسل إليها مثلا ًخطابا ًطويلا ًيبثها أشواقه وأحلامه وآماله .. ويقول فيه :
 ” أنا ضباب يا ( مي )  أنا ضباب يغمر الأشياء ولكنه لا يتحد واياها أنا ضباب لم ينعقد قطرا ً.. أنا ضباب وفي الضباب وحدتي ، وفيه هو انفرادي ووحشتي , وفيه جوعي وعطشي ، ومصيبتي هل الضباب وهو حقيقتي يشتاق إلى لقاء ضباب آخر في الفضاء ، ويشوق إلى استماع قائل يقول :” لست وحدك ، نحن اثنان أنا أعرف من أنت ؟

أخبريني يا ( مي ) : أفي ربوعكم من يقدر ويريد أن يقول لي : أنا ضباب آخر أيها الضباب، فتعال نخيم على الجبال ، وفي الأودية ، تعال نسير بين الأشجار وفوقها تعال نغمر الصخور المتعالية ، تعال ندخل معا ًإلى قلوب المخلوقات وخلاياها ، تعال نطوف في تلك الأماكن المنيعة غير المعروفة …قولي يا مي : أيوجد في ربوعكم من يريد ويقدر أن يقول لي ولو كلمة واحدة من هذه الكلمات!! .. وتقرأ ( مي ) هذا الخطاب ، وتهتز أعماقها وترة في ( جبران ) الإنسان الذي سوف يحملها على جواد ابيض نحو تحقيق احلامها ..
وكتبت إليه :
 عزيزي جبران :أريد أن تساعدني وتحميني ، وتبعد عني الأذى ليس بالروح فقط ، بل بالجسد أيضا ً،أنت الغريب الذي كنت لي بداهة وعلى الرغم منك أبا ً،وأخا ورفيقا ًوصديقا ًوكنت لك أنا الغريبة بداهة وعلى الرغم مني أما ًوأختا ًورفيقة وصديقة .

عبارة ( الجسد ) في هذه  الرسالة هزت كثيرا ًمن النقاد – ولا أحد يدري معناها ؟ فهي كانت تريد أن تحيا وتتذوق فنون الأدب الرفيع وطلب منها الزواج كثير من فطاحل الأدب مثل : ولي الدين يكن و شلبي شميل، وعرض عليها الغرام الحر بعضهم..
ودخلت في علاقة ممتدة مع العقاد !!
مي زيادة
ولكنها كانت فيلسوفة الصداقة بينهم جميعا ًأما قلبها فقد هام بعيدا ًبذلك الشاعر الذي تتبادل معه الرسائل ..
 ولكن العقاد كتب عنها في روايته أو قصته ( سارة ) وأدعى أنها كانت تهتم أكثر به وتحرص عليه أكثر ولكنه كان يكرر كانت ( سارة الجسد وكانت مي الروح ) فكيف فعلتها وكتبتها.

وفي رسالة إلى شاعرها جبران ” ذكرته بالجسد ” ؟! أنه الحب ؟! بل الحب الغريب ؟! أهذه هي الرومانسية أو الأفلاطونية أم أنها أسطورة مي زيادة !!..
 بل إنه من المعروف أنها فسخت الخطوبة من شاب ثري، لأنها قالت عبارة :
 أختار شريك حياتي كما يهوى القلب والعقل لا كما تهوى المصلحة !!

نهاية مي زيادة المأساوية

ولكن الغريب أن هذه العقلية المختلفة المتمردة أصابها الجنون وكانت ترى في أخريات حياتها تهذي!! 
ولطاهر الطناحي كتاب ” أطياف من حياة مي ” عن أخريات أيامها وضياعها جسدا ًوعقلا ً.
فهل فعل ذلك فيها صالونها ؟..هل هي لعنة المرأة الحرة الصريحة التي لا يمكن أن يفهمها أحد؟ ، لقد كانت في حوار مع الجميع .. فهي امرأة للكل وليست امرأة لأحد..ولا حتى لنفسها.
 أنها تخرج من العقاد وتراسله وتراه ولكنها لا تحبه – وتحب جبران وتعيش معه على الورق الأبيض ولكنها لا تراه ولا تلمسه ولا تسافر إليه..
ويقول عنها أنيس منصور : 
” إنها أقرب إلى التي غرفت في حوض من الشامبانيا ، الكل فتحوا الزجاجات فصبوها على رأسها وليس في حلقها .ثم وضعوها بالقرب من النار.. ولما ماتت استراح الجميع ، لأنها لم تكن لواحد منهم “ 
فكان حرمان الجميع منها نوعا ًمن العدل ولكنه العدل العنيف 
هل ظلموها .. هل ظلمت نفسها ؟!
هل كان جنونها في النهاية كمن حاول أن يمشي على الحبل فاختل توازنه فسقط .. وكان الأسف على سقوطه معادلا ًللإعجاب بتوازنه على الحبل قبل أن يسقط ؟!
وتقول الدكتورة : ” إجلال ” المتخصصة في الهياج الجنسي عند مرضى الأمراض العقلية : 
( مي زيادة ) إنها تشبه النبي إبراهيم دخلت النار..ولم تحرقها كانت بردا ًوسلاما ًعليها ولكنها لأنها امرأة وليست نبيه لم تصدق ذلك فاختل عقلها ..جنت أفضل امرأة ؟!
ولكن مي زيادة ولدت سنة 1876 وماتت سنة 1941 أي عن عمر يبلغ 65 سنة أي أنها عاشت بعد موت جبران عشرة سنوات ثم أنها علمت بتعلقه بأكثر من شاعرة وأديبة في المهجر قبل موته بخمسة سنوات أخرى ..فهل بقى حبها؟ 
هل جبران هو الذي جننها أم صالونها الأدبي ؟
 يجيب على السؤال أناس كثيرون فمثلا ً: 
الاستاذ المرحوم حسن أحمد حسن المدرس بكلية الفنون الجميلة  ” رسميا .. جعلها ( جبران ) تنام على الأقلام, ..  أسنة الأقلام كفقراء الهنود حينما ينامون على المسامير أي انه جعل الجميع مشترك في تعذيبها 
وهو يقول عنها : إنها المرأة الوحيدة التي أحبها العقاد واحترمها وهي التي قالت له : لا .. أول الأمر وقال لها : لا ..بعد ذلك !!
 أما أنيس منصور ففي كتابه الموسوعي في ( صالون العقاد كان لنا أيام ) يفلسف الأمر ويرى أن مي زيادة فتاة شديدة الحساسية ومضطربة ومتناقضة وتعشق التعبيرات الجميلة فتصب وتخيب ولكنها ليست أديبة كبيرة..ولا هي مفكرة وإنما كان صالونها ضوء في سماء مصر وكانت شخصيتها أشبه بملكات النحل حام حولها الفراش الفكري وجرى إليها دبابير الأدب والفن ولكنها لم تكن قوية كملكات النحل لتختار أقوى الذكور ولكنها اختارت أبعدهم عنها ولم تكن ضوء لإحراق الفراش فأخمد الفراش الضوء أحبت شاعرا ًغريبا ًمثلها، مريضا ًمثلها، هو جبران خليل جبران كانت تسأله أن يعد لها دقات قلبه – وعدد سجائره ..
أما أدباء مصر ومفكروها فكانت تتحدث إليهم وتجاملهم  وتسلط عليهم غريزة المرأة ويذهب كل واحد إلى بيته ليبعث لها رسالة خاصة شديدة الحذر يكتب فيها أدبه وليس حبه يكتب فيها ما لم يقل وما لم تقل ..
فمثلا ًالعقاد كتب عنها قصائد ومصطفى صادق الرافعي سود لها كتاب ” السحاب الأحمر” و ” طرق الورد ” و” رسائل الأحزان ” ولم يفعل ذلك جبران لم يكتب قصيدة اسمها ( مي زيادة ) مع أنه كتب عن ابن سينا والغزالي ..

هل كانت مي زيادة غانية تتحدث في الأدب أو أديبة تعرف الفجور؟ 

أنها لم تكن هذا ولا ذك  وإنما اوقعتها الأقدار في اوكار الذئب الفكري للرجل الشرقي لقد حاول أن يجرب معها الجميع الفيلسوف لطفي السيد([2])أرسل لها خطابا ً: أنني طماع ولكن عذري أنني صادق في الإحساس أي يريد أن يقول لها إنه معجب بها أو يحبها أو يشتهيها وطالما أنه صادق فهذا يكفي لأن يحصل على ما يريد .. يا سلام يا فيلسوف ؟! ولكنها رأت العقاد وجلست إليه وزارته في منزله وأهدت إليه أكثر من هدية ،ولكنها تطلب منه فقط الحذر الشديد فالرسائل تكاد تكون رمزية تحتاج إلى شفرة واللقاء يكاد يكون بخطة بوليسية موضوعة بخبرة وتقبل العقاد ذلك..فقد كان هذا طابع العقاد ! ولكنها تجرأت حينما تجرأ عليها مصطفى صادق الرافعي([3])وكان حجة في الأدب وصناعة الكلام (هامت بما يقول .. فأعتقد أنها هامت به ) .. وكادت أن تطلب له البوليس !! 
ولكن ( مي زيادة ) اعترفت لطاهر الطناح بحبها ( لجبران ) 
فهل هذا الاعتراف لأنهم تركوها وحدها بعد موت حبيبها وأملها؟!!
فمن المؤكد أنها أجبت الشاعر جبران خليل جبران .. ولكن كل هؤلاء المترددين على صالونها لم يعرفوا ذلك .. بل إننا لم نعرف إلا بعد أن ماتت .. ربما كنا عرفنا أكثر لو أن رسائلها قد بقت دون أن تحرقها . فقد دخلت مستشفى العصفورية ( للأمراض العقلية في لبنان ) وكان جنونها كامل في القاهرة تسير في الشوارع تحمل الخضروات والملابس .. ثم إنها أرجعت الخطابات التي بعثها المعجبون بها إلى أصحابها ثم إنها حرقت كل رسائل العشاق لها .
ولا يزال صوت عبد الوهاب وأغنية
كلنا نحب القمر والقمر بيحب مين ، حظنا منه النظر والنظر راح يرضى مين“..
هذه الكلمات تنطبق على الآنسة مي زيادة فالعقاد هو الذي وصفها بذلك وهو الذي قال عنها : رحم الله مي زيادة كانت حصن محاط بخندق أي أنها بعيدة ومنيعة – أن تحب فهذا بعض الشيء فقد أحبت العقاد فيوقت زهد فيها فكان بعض الشيء .. أن تحب وأن تحب فهذا كل شيء .. كان كل شيء مع جبران ولكنه على الورق.. نوع من الحب الأبيض بالقلم والسطور !!
اقرأ ايضا :
المعداوي ترك الأدب وعمل حكيم روحاني مع مي زيادة
هامش :

(*)هي الأديبة الشهيرة ( مي ) والتي يمر على ميلادها مائة عام ونيف .
تركت (12) كتابا مؤلفا ًومترجما ًبالإضافة إلى عدد آخر من الكتب لا تزال مخطوطة ، وعشرات المقالات في الصحف والمجلات لم تمتد لها يد البحث والتنقيب لنجمع في كتاب وكانت تجيد ثلاث لغات غير العربية هي الفرنسية والإنجليزية والألمانية ولذا فقد ترجمت عن الفرنسية رواية ” رجوع الموجة ” وعن الألمانية رواية ” غرام ألماني ” وعن الإنجليزية رواية ” عذاب الحب ” .
([1]) تركت ( مي ) مئات الرسائل التي تبادلتها مع رموز عصرها ومنها رسائل ( للعقاد ) ورسائل ( لأنطون بل الجميل ) ورسائل ( ليعقوب صروف ) ورسائل   ( لأمين الريحاني ) ورسائل ( لأحمد لطفي السيد ) ولكن أكبركم من الرسائل كان لجبران خليل جبران ( 41 رسالة ) ….. وفي عام 1971 نشر عامر العقاد بعض رسائل مي والعقاد وقال في فصل عنهما : لو جمعت الرسائل التي كتبتها مي أو كتبت إليها لكانت بضع مجلدات !! .
([2])التقت به في عام 1914 ونصحها بأن تقرأ القرآن الكريم لندرس أسلوبه جيدا ًباعتباره المدخل لإجادة اللغة العربية وتذوقها فهو كفيلسوف كان يراها تفكر باللغة الفرنسية وبالتالي يصعب تذوقها عربيا ًحتى ولو كتبت ذلك بالعربية !! متجاهلا انها تدين بالمسيحية؟
([3])( الشيخ مصطفى عبد الرازق ) أرسل لها في سنة 1927 رسالة يقول لها فيها : سيدتي الآنسة العزيزة .. إن لم تكوني وزيرة – ولا من المستوزرات ، فإنك أميرة النهضة النسوية في الشرق ، بل أنت أميرة النهضة الشرقية على إطلاقها وإذا كنت لا أطمع أن يهتدي بمباحثي في الفلسفة الإسلامية الكافرون فإنني أطمع أن تنال جهودي رضاك ، ورضى حماة العلم والفكر من أمثالك .
1- يقول الأستاذ أنيس منصور عنه في كتابه ” عاشوا في حياتي ” : ووجدت الأستاذ الرافعي يشير ويشبع حبه للآنسة ( مي إلياس زيادة ) .. وكانت ( مي ) وقتها شرفا ًيدعيه كل أدباء زمانها ابتداء من سلامة موسى مرورا ًبالعقاد وطه حسين وإسماعيل صبري ومطران انتهاء بلطفي السيد .
ويقول ولكن حب مصطفى صادق الرافعي لمي جعله مؤهلا ًلابتداع التراكيب الجمالية والبلاغية الكثيرة في كتبه وبالطبع نحن لا نسأل أدبيا ًعن حبه ، ان كان صادقا ً، وإنما نحن نقلب في الذي كتبه ، فإن أحب فسوف نرى ماذا كتب . وإن ادعى الحب فسوف نرى ما كتب !! .
كتب العقاد هذه الرسالة وهو يقضي عطلة الصيف في رأس البر .
.. ونقرأ الرسالة ..
19 أغسطس 1925
سيدتي كنت الليلة في رحلة بحرية جميلة وكانت نجمة البحر ” ميريم (1) ” تلمع على الأفق كبيرة متلألئة فكنت أرفع بصري إلى السماء فأراك في سمتيك وأقول لها أو أقول لك :
يا نجمة اليم ونور الأوان                                   أشرقت ، فليشرق علينا الأمان
لو لم تكوني ملكا حارسا                                   يحوطنا في كيد هذا الزمان
ما سار فينا يوم فارقتنا                                     شيطانة الباغي طليق العنان
فاليوم إذا اقبلت لا خوف                                                من كيد الشياطين وأنت الضمان
                                                                                                                العقاد
نقرأ معا الرسالة الثانية ، أو بالأحرى القصيدة الثانية .
الثلاثاء 29 سبتمبر سنة 1925 .
إلى العزيزة : مي ”
أدعوك باسم ما فيه من صغر                                             وافي المسماه من فضل ومن طيب
فيه اختصار فلم يخلق لحاشية                                             تزيده ، بل لإيجاز وتحبيب
يا “مي” يا “مي” ذاك اسم او نم                                          تغنى حلاوته عن كل تقليب
كجوهر في يد اللآل قد نفست                                         به أنامله عن كل ” تركيب ”
وفي يديك الرضى إن كنت آذنة                                         لي باسمك العذب ، أو لومي وثريبي !
وإن لي رغبة يا “مي” ضارعة                                              فلا تضنى بها الحس من وصف وتقريب
وانت معبودتي يا “مي” ما ظفرت                                         عيني بتمثال حسن منك مرقوب
                                                                                                                                العقاد
ميناء الإسكندرية مساء 29 يونيه 1925 .
سيدي الأستاذ الفاضل العقاد أما عنواني في روما فهو هذا : وهو طويل بعض الطول يشبه العناوين التركية التي كان يشكو منها بيرلوتي (Pierre Loti).  ومع ذاك فأرجو أن يكون لي محسن فيكون واسطة للحصول على مقالاتك الأسبوعية الأدبية .
إذا كانت رحلتنا من القاهرة إلى الإسكندرية في ساعات الحر الشديد فقط استقبلتنا الإسكندرية بنسيم لطيف .. وباخرتنا هذه راسية الليلة على مقربة من “فرضة البحر” حيث يلتقي برد بحر ” ليس يلتقيان ” والمنار يزجي بالضياء ولكن هؤلاء المسافرون يكثرون من الضجيج فلا يتيسر التفكر والكتابة .وانتقل من صالون إلى صالون لأجد مكانا ًهادئا ًوأزيد رغبة في الكتابة لابد من الامتثال فكل ما يحيط بي يحملني على ترك القلم .
على أني سأنفرد في زاوية من المركب وأطل على البحر وأقول لنفسي شعرا ً، شكرا ًعلى الأبيات التي اتحفتني بها ، إن لها عندي مكانا ًخاصا ًدون سائر شعرك. وأهديك خالص التهنئة بمناسبة العيد المقبل مشغوفة بعواطف الإكرام .مي زيادة
أقرأ ايضا:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق